السعيد شنوقة

92

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وهذا يبيّن أن الأصول الخمسة لم تظهر مع بداية ظهور الاعتزال ، والسبب أنها لم تتحدد دفعة واحدة ، ولم تظهر على هذا الترتيب ذي السمة المنطقية التي اشتهر بها أبو الهذيل العلاف واضح الأصول « 1 » لأن أول أصل ارتبط بظهور المعتزلة كان حكم « المنزلة بين المنزلتين » على أن بيئة البصرة في هذه المرحلة لم تكن لتخلو من المسائل الدينية كالتوحيد الذي كان في جو يموج بالمجسّمة والمشبهة والروافض « 2 » والقائلين بالتعدد . وكصفة العدل الإلهي التي ضمنها المعتزلة « فكرة الثواب والعقاب ومسؤولية الإنسان عن فعله وقدرته عليه » « 3 » وهي خلفية تعطى لحكم مرتكب الكبيرة بعدا سياسيا وتخرجها من السمة الفقهية الخالصة « 4 » . لقد كشف حكم مرتكب الكبيرة خلافا فقهيا ، ولكنه كان يهدف سياسيا إلى اتخاذ موقف من الأمويين ومجابهة ما ساد من مظالم إبان حكمهم ، وفي هذا قال بعض الدارسين : « كان المقصود به تحديد الموقف من الأمويين باعتبارهم مرتكبي الكبائر هم وعمالهم وأنصارهم في حق جماهير المسلمين « 5 » ، فالجانبان الفقهي والسياسي لهذه المسألة محصل وضع اجتماعي تميز بقضايا دينية اعتقادية وثقافية خلقت جدلا وحوارا بإقليم البصرة خصوصا . كانت الردود والمحاجة فيه مبنية أولا على نص القرآن الكريم والحديث المروي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى أن ظهر المعتزلة الذين اعتمدوا العقل قبل النقل في ردودهم على المعتقدات المخالفة لعقيدة الإسلام . وهكذا يتمخّض تفكير المعتزلة في بدئه عن ظروف طارئة اجتماعية سياسية مصطبغة بالدين ، لكن هذا النسق الفكري الاعتزالي ما لبث أن اصطدم لاحقا بثقافات مختلفة لا تؤمن أصلا بالأدلة الثابتة في نصي القرآن والحديث على معنيي

--> ( 1 ) انظر د . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ص 249 وص 251 . ( 2 ) تركزت الاتجاهات التجسيدية والتشبيهية في فرق الشيعة الغالية المتأثرة باليهود عن طريق عبد الله بن سبأ لتأكيد إمامة علي بن أبي طالب . انظر زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 46 . ( 3 ) د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، ط 3 ، 1996 ، ص 40 . ( 4 ) انظر : محمود إسماعيل ، الحركات السرية في الإسلام ، مؤسسة روز اليوسف ، القاهرة 1973 ، ص 133 ، 140 . ( 5 ) محمد عمارة ، رسائل العدل والتوحيد ( المقدمة ) دار الهلال ، القاهرة 1971 ، ص 67 .