السعيد شنوقة

80

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

السمع . وقال عز وجل : وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [ الدخان : 21 ] أي لم تؤمنوا بي فلا تكونوا علي ولا معي . قال الزمخشري يفسرها : « فلا موالاة بيني وبين من لم يؤمن فتنحّوا عني واقطعوا أسباب الوصلة عني » « 1 » غير أنّ تطور الأحداث السياسية والاجتماعية المصطبغة بالدين جعلته يدل لاحقا على ذلك الموقف السلبي غير المتوافق مع الفكر الإيجابي الذي يحترم الدين ويلتزم بقواعده وأخلاقه . وهو موقف بعض الصحابة حين اعتزلوا الفتنة لكي لا يتورّطوا فيما يبعدهم عن جوهر الدين ، لكن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد منحا الاعتزال بعدا فكريا مميزا مبنيا على نظرة عقلية ليست بعيدة عن الصورة المنطقية . فإذا كان هذا يكشف تحولا دلاليا لمفهوم الاعتزال في خضم تلك الأحداث حتى واصل بن عطاء ، فمتى ظهر اسم الاعتزال والمعتزلة ظهورا تاريخيا رسميا ؟ لقد اختلف المؤرخون والدارسون في أصل منشإ الاعتزال ، فمنهم من رده إلى الظروف السياسية ، وبعضهم ربطه بالزهد والعزوف عن منافع الدنيا وبهارجها وجعله البعض الآخر مرتبطا بموقف ديني ذي غاية سياسية ، ورآهم غير هؤلاء وقفا على تلك القضية التي ذهبت جلّ الدراسات إلى ذكرها ، وهي المثارة في مجلس الحسن البصري في القدر والمنزلة بين المنزلتين مع تلميذه واصل الذي انضم إليه عمرو بن عبيد « 2 » وغيره ممن رأى هذا الرأي . إنّ من ردّ تسمية الاعتزال إلى الظروف السياسية « 3 » ربطها بما ذكره الطبري « 4 » في مراسلة قيس بن سعد ( ت 60 ه ) للإمام علي بن أبي طالب يخبره عن رجال معتزلين طلبوا منه الكف عنهم ولأن يتركهم وحالهم إلى وضع يكون فيهم بعد ذلك رأي ، فذكر له بأنه لا ينوي التعجيل في حربهم بل فضّل ملاينتهم بين ذلك لعل الله يفرّق بينهم وبين ضلالهم .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 503 . ( 2 ) انظر : البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 20 ، 118 ، 121 . ( 3 ) انظر أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص 290 ، وكذا د . سعيد مراد . مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 19 . وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير - دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة ، ص 12 وما بعدها . ( 4 ) تاريخ الرسل والملوك ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف ، مصر ( د . ت ) ، ج 4 ، ص 554 .