السعيد شنوقة

81

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وقد عزا الطبري في موقف آخر التسمية بالاعتزال إلى تجنب الناس الحرب والقتال ، قال : « أما عن الأحنف بن قيس : قال : والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولا أقاتل رجلا ابن عم رسول الله ، أمرتموني ببيعته . اختاروا مني واحدة من ثلاث خصال : إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجم حتى يقضي الله عز وجل من أمره ما قضى أو اعتزل فأكون قريبا » « 1 » . وعلل بعضهم تلقيب المعتزلة بهذا الاسم لاعتزال أتباع علي الحسن بن علي لما بايع معاوية واعتزلوا معه معاوية والناس جميعا ولزموا منازلهم « 2 » واكتفوا معها بالمساجد للعلم والعبادة في موقف حيادي سلبي . وقيل : إنّ التسمية راجعة إلى اعتزال بيعة الإمام علي ، وهو ما ذكره أحمد أمين : « وسموا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي » « 3 » . إذن فالتسمية اعتمدت في الصدر الأول للإسلام لمعنى مخصوص هو تجنب الدخول في النزاع بين المتنازعين لأحد أمرين : إما لأن الرأي لم يتبلور بعد أمام النزاع القائم أو اقتنع بعدم إصابة الطرفين كليهما ، لهذا دأب المؤرخون على إطلاق هذه التسمية على الجماعة التي لم تشارك في القتال بين علي وعائشة - رضي الله عنهما - يوم الجمل وعلى الذين لم يدخلوا في النزاع بين علي ومعاوية « 4 » . ولا مراء في أن هذه الأقوال تدل على أن كلمة « الاعتزال » قد أطلقت قبل مدرسة الحسن البصري بوقت طويل بمعناها اللغوي : « التجنب والتنحّي » ، وليس بالمعنى الاصطلاحي الذي يعني جماعة تتبنّى خمسة أصول من ترك أحدها لم يكن منهم . وهذا يجعلنا نستبعد أن يرجع أصل التسمية إلى الظروف السياسية الناتجة عن اعتزال المتحاربين لتجنب الفتنة لأن القول به يدخل كثيرا من الناس لا يعتقدون ما

--> ( 1 ) م ن ، ج 4 ، ص 498 ، وكذا أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص 290 . ( 2 ) انظر : د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، ص 198 . ( 3 ) فجر الإسلام ، ص 290 . ( 4 ) أنظر : م ن ، ص 290 . وكذا د . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 21 .