السعيد شنوقة

415

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

والكبيرة عند المعتزلة تهدم الأعمال الصحيحة الثابتة حين تعقبها . قال الزمخشري في هذا المعنى عند الآية : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ [ التوبة : 17 ] « وإذ هدم الكفر أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة إذا تعقبها » « 1 » . ولما كان الخذلان عند المعتزلة هو أن يترك الله تعالى أن يحدث من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين ، فترك الله سبحانه أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين « 2 » . تأوّل الزمخشري ظاهر نص الآية الكريمة : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [ التوبة : 117 ] على أساس قاعدة المعتزلة في رعاية الله عز وجل للأصلح التي هي نتيجة لمفهوم العدل عندهم ، ولمعنى الحكمة الإلهية التي لا تخرج أفعاله عز وجل فيها عن الإحكام والإتقان ، وإنما تنحو غرضا وتتوخى صلاحا « 3 » وتريد خيرا . قال : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ : دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح » « 4 » ، وهو بهذا حين احتملت الآية الدعاء والخبر جعلها دعاء ، وتجنّب جعلها خبرا لأن صرف القلوب عن الحق لا يجوز عندهم على أساس نظريتهم السابقة « 5 » . وربط الإيمان بالعمل الصالح ليستحق به العبد يوم القيامة الهداية والنور والتوفيق وذلك في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 179 . ( 2 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 328 . ( 3 ) الأصلح هو الأقرب إلى الخير المطلق . ولما كانت الأشياء كلها في العالم تسير نحو الصلاح العام كان هذا الصلاح هو الغاية من خلق العالم : انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص ، 324 وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 110 - 111 . ( 4 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 223 . ( 5 ) انظر أحمد بن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 223 .