السعيد شنوقة
407
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الآية وردت في الكافرين وهم متفقون على وقوع وعيده فيهم لكنهم يجوّزون على العاصي الموحد العفو ، ولا يرون الوعيد حتما ؛ لأنه سبحانه حيث توعّد المؤمنين العصاة علّق حلول الوعيد بهم بالمشيئة ، وقد مرّ ذلك « 1 » . ولما كان المعتزلة دأبوا على تنزيه الله عز وجل من كل قبح لعلمه به ولاستغنائه عنه ، ولعلمه باستغنائه عنه ؛ فلا يختار لذلك القبيح بوجه من الوجوه « 2 » عملوا على إثبات ذلك في تفاسيرهم . قال الزمخشري عند قوله عز وجل : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ الأنعام 148 ] مفصحا على تلك الخلفية بقوله في تفسيره كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ « أي جاءوا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وجل ركب في العقول وأنزل في الكتاب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها . والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله وكتبه ورسله ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره » « 3 » . ويجعل الزمخشري من مقول القول : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا أنهم أرادوا بكفرهم وتمرّدهم أن شركهم شرك آبائهم وتحريمهم ما أحلّ الله ، وهو بمشيئة الله وإرادته وبأنه لولا مشيئة الله لم يكن شيء من ذلك ، وأوضح أن هذا يشبه مذهب المجبرة وهو يقصد بالمجبرة أهل السنة « 4 » . الذين لا يرون ما يراه من خلق العبد لفعله إلا أن ثمة فرق بين رأي المجبرة هاهنا وبين أهل السنة لأن المجبرة الحقيقيين يعتقدون بأن العبد لا اختيار له ولا قدرة ، وإنما هو مجبور على أفعاله . أما السنيون فيثبتون للعبد اختيارا وقدرة لكنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية وهذه القدرة تميّز بين ما يختاره وبين أفعاله القسرية ، ولعل هذه الجهة هي التي جعلته يطابق بينهم وبين المجبرة ويلقبهم كذلك . وفي تتمة الآية :
--> ( 1 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص 157 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 3 ، 4 . ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 59 . ( 4 ) م ن ، ج 2 ، ص 59 .