السعيد شنوقة
408
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إلى قوله سبحانه : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ( الآية ) ردّ صراح على المعتزلة القائلين بأن الله تعالى شاء الهداية منهم كافة فلم تقع من أكثرهم ، ووجه الرد أنّ « لو » إذا دخلت على فعل مثبت نفته « 1 » ، فيقتضي هذا أن الله عز وجل لما قال : فَلَوْ شاءَ . لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم ولو شاءها لوقعت وفي هذا تصريح ببطلان ما ذهبوا إليه . والواقع أن من السنيين من يجعل الآية الكريمة ردا ليس على المعتزلة فحسب وإنما على أهل الجبر كذلك ويرى فيها معتقد السنيين من ناحية أنّ أولها يثبت اختيار العبد وقدرته على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان ، ويثبت أخرها وقوع مشيئته في العبد وأن جميع أفعاله لا تقع إلا في إطار المشيئة الإلهية « 2 » . وهو يمنع أن يكون الله عز وجل خلق الغي أو فعله في تأويل الآية : قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [ الأعراف : 16 ] لأن الإغواء قبيح : « والمعنى فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما قد فسدت بسببهم » « 3 » ؛ فلما كانت أفعال الله تعالى كلها حسنة حسب قاعدته الاعتزالية وبأنه سبحانه عالم بالقبح وعالم أنه مستغن عنه ، وعلى ذلك لا يصح أن يفعله ؛ فجعل الإغواء لصيقا بالتكليف ليبيّن أن الله لم يخلقه له وإن فعل ألغي مسند حقيقته للفاعل وهو مسند إلى الله إسناد المسبب له لا أنه فاعله ، وذلك على سبيل مجاز السببية ، وهذا ما يسمى بمجاز الإسناد . وقد رأينا في غير هذا المقام كيف أول إسناد الختم إلى الله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] بأنه استعارة أو مجاز على معنى أن الشيطان هو الخاتم أو الكافر وأسند إلى الله تعالى
--> ( 1 ) في هذا اختلاف كثير وتفصيل . انظر ابن هشام ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، تحقيق حنا الفاخوري ، دار الجيل بيروت ، ط 1 ، 1999 ، ج 1 ، ص 448 - ، 442 ولا يقبل المؤلف قول من جعل « لو » حرف امتناع لامتناع : إنما يفضّل قول سيبويه : « حرف لما سيقع لوقوع غيره » ، وقول ابن مالك : « حرف يدل على انتفاء تال ، ويلزم لثبوته ثبوت تاليه » . ص 427 ، وهذا إن لم تكن شرطا . ( 2 ) انظر تفسير الواحدي ( ت 468 ه ) ، ج 1 ، ص ، 606 وتفسير البغوي ( ت 516 ه ) ، ج 2 ، ص 140 - ، 139 وابن المنير ( ت 683 ه ) الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص ، 60 وتفسير أبي السعود ( ت 951 ه ) ، ج 3 ، ص 196 . ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 69 .