السعيد شنوقة

403

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم وعلمهم بأنه واجب الاتقاء والاجتناب . أما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع صاعين قبل التحريم . وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه . وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها وهي أن المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله داخل في حكم الإضلال . والمراد بما يتقون ما يجب اتقاؤه بالنهي » ثم أضاف « فأما ما يعلم بالعقل كالصدق في الخبر وردّ الوديعة فغير موقوف على التوقيف » « 1 » ، ولا ريب في أن هذا الاستدلال يقرّ بتحسين العقل وتقبيحه وبأنه حاكم والشرع كاشف لما غمض عليه ، وتابع لما يقتضيه العقل . وتحديد معنى الحسن والقبح إنما يتم بالعقل الذي يحتاج إليه ؛ وذلك أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران فيه قبل ورود الشرع عندهم ؛ لأنهم « متفقون على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود الشرع ، ومن أن الحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل » « 2 » غير أن الواجبات سمعية كلها عند الأشعري ، ولا يوجب العقل في مذهبه شيئا ، ولا يقتضي تحسينا ، ولا تقبيحا ، وهو يرى « 3 » أن معرفة الله تعالى بالعقل تحصل ، وبالسمع تجب لقوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] ، وأنه قد يراد بهما ملائمة الطبع ومنافرته وكون الشيء كمال ونقصان ؛ فبهذا المعنيين هما عقليان كاللذّة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما . ومن هذه السبيل محكوم عليه بمقتضى بديهة العقل . والألم والغم وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما محكوم عليه بالقبح أو أنه يراد بهما ما هو موجب للثواب والعقاب والمدح والذم ، وهو معنى شرعي إذ التحسين والتقبيح في هذه الأفعال بحسب الشرع فالحسن ما أمر الله به والقبح ما نهى الله عنه « 4 » . ولا يرى الأشاعرة الأفعال ذاتية الحسن والقبح ، وإنما هما أمران

--> ( 1 ) الكشاف : ج 2 ، ص 218 - 285 : الإيفاء حسن في العقول . ( 2 ) انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 91 - 85 - 79 - 66 - 58 - . وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 115 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص ، 115 وكذا : ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص ، 217 . ( 4 ) انظر فخر الدين الرازي ، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين ، ط 1 ، المطبعة الحسينية المصرية ، ص ، 147 وكذا د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، مدخل . . . ودراسة ، ص 314 - 315 .