السعيد شنوقة
398
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ولما كان صاحب الكشاف ينكر رؤية الله عز وجل على أصل مذهبه ذهب في تفسير قوله سبحانه : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء : 153 ] إلى تعزيز مذهبه الاعتزالي في استحالة الرؤية مؤوّلا : [ بظلمهم ] « بسبب سؤالهم الرؤية » ولو طلبوا أمرا جائزا لما سموا ظالمين ، ولما أخذتهم الصاعقة . كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمّه ظالما ولا رماه بالصاعقة » « 1 » . ولئن كان سؤالهم ليس محالا عقلا كما ذهب إلى ذلك أهل السنة إلا أنه ممتنع في الشرع لأن الله تعالى أخبر عن طريق أنبيائه أنه لا يرى في الحياة الدنيا . أما هي في الآخرة فثابتة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتواتر وجائزة مع ذلك عقلا ، وهي عند المعتزلة محال عقلا في الدنيا والآخرة « 2 » . واتفق المعتزلة على أن المعارف كلها معقولة وواجبة بنظر العقل ، ومن أن النظر العقلي الذي يؤدي إلى معرفة الله تعالى وشكره ومعرفة الحسن والقبح تجب معرفتهما بالعقل ، وأن اتباع الحسن واجتناب القبيح كلها تجب على المفكر حتى قبل مجيء الوحي ، وإن قصّر في شيء من هذا استوجب العقوبة ، فقد اتفق أبو علي الجبائي ( ت 303 ه ) وابنه أبو هاشم ( ت 321 ه ) على « أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية ، وأثبتا شريعة عقلية ، وردّا الشريعة النبوية إلى مقدورات الأحكام ، ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ، ولا يهتدي إليها فكر » « 3 » فهم أثبتوا للعقل وظيفة أساسية في وضع مقاييس الأحكام على الحسن والقبح ، وليس لمجرد الكشف عليها ، وإنما أوجبوا أن تكون أحكامها لا تتبيّن إلا به ، إذ ينبئ العقل عندهم عن صفات الأفعال وعن استحقاقها للأحكام الآجلة أي الثواب والعقاب الإلهين . فهذه الأحكام التي يطلقها العقل واجبة قبل مجيء الشرع ، وليست الأوامر سوى مجرد توكيد وإثبات لأحكام الشريعة العقلية .
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 577 . ( 2 ) انظر أحمد بن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 577 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 4 ، ص ، 121 وكذا د . محمود كامل أحمد ، مفهوم العدل في تفسير المعتزلة للقرآن الكريم ، ص 83 - 84 . ( 3 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 92 - ، 91 وكذا الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 323 وما بعدها . وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص ، 115 وديبور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص 92 .