السعيد شنوقة

399

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ويبدو أن المعتزلة حين جعلوا التحسين والتقبيح عقليين إنما يرجعان إلى تعزيز فكرة العدل الإلهي وتتميم فكرة التكليف . وعلى هذا إذا أمر الله بالحسن فلأنه حسن في حدّ ذاته وإذا نهى عن القبيح ، فلأنه قبيح في حدّ ذاته ، وإن تمييز الإنسان بالعقل بين الحسن والقبح هو الذي يكمل معنى التكليف في اقتدار العبد على أفعاله ، وفي اختياره الوجه الذي تقع عليه لتصح المثوبة والعقوبة « 1 » . وبناء على هذه القاعدة الاعتزالية تساءل عند قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] : « فإن قلت كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة . والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة ولا عرفوا أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها ؟ قلت : الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة وينبّهنا لما وجب الانتباه له » « 2 » . فهو يثبت على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين أحكام الله تعالى بالعقل قبل أن يأتي الشرع وإن لم يبعث رسولا . ويوجب النظر في أدلة المعرفة دون أن يتوقفوا على ورود الشرع ، وألزموا من ترك النظر في الأدلة قبل مجيء الشرع بأنه يستحق العذاب لأنه ترك واجبا هو قائم عليه بالبرهان وإن لم يكن شرع . ولكن الحجة في هذا المقام قائمة عند أهل السنة على الخلق بالأحكام الشرعية المؤدية إلى الجزاء بإرسال الرسل ، وليس بمجرد العقل كما هو ظاهر في الآية الكريمة التي عدّ فيها المعتزلة والزمخشري الرسل متمّمين حجة الله ومنبّهين على ما وجب قبل بعثتهم بالنقل . ومع هذا ؛ فإن السنيين يعدّون العقل شرطا في عموم الأحكام ، ولا يرون تكليفا قبل ورود الشرع وبعثة الأنبياء حيث يثبت الحكم حسبهم حينئذ ،

--> ( 1 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 270 - 271 . ( 2 ) الكشاف : ج 1 ، ص 583 .