السعيد شنوقة

392

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره لأن أسباب النجاة كثيرة . وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل ؛ فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقاتلتكم ؟ وما أنكرتم أن يكون السبب غيره » ؟ « 1 » ، فالمقتول عندهم لولا القتل لاستوفى أجله المكتوب له الذي هو زائد على ذلك ؛ لأنهم يعتقدون أن الإنسان يمكن أن يدفع عن نفسه العارض بحيث يتجنب أسباب الهلاك قبل حلول أجله ؛ غير أن أساس تساؤله يتجه عند السنيين إلى ما نهى الله عنه المؤمنين في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا [ آل عمران : 156 ] ، فهو قول باطل واعتقاد فاسد نهى الله تعالى عنه أتباعه أن يكونوا مثلهم في هذا الاعتقاد السّيّئ وهو أنّ من سافر في تجارة ونحوها فمات أو قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ، ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض نفسه للسفر فيه أو للقتال ؛ فقد رد الله تعالى قول هؤلاء بأنه المؤثر في الحياة والممات لا الإقامة والقعود والسفر « 2 » . وعلى هذا فلكل ميت عند أهل السنة أجل يموت به « 3 » فلم يكن إذن من موت الخارجين إلى التجارة أو إلى القتال في ذلك الوقت لأنه أجلهم وهو في علم الله تعالى لقوله : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] . والله تعالى لا يريد الكفر ولا يشاؤه ؛ فهو منزّه عن أن يضاف إليه شر أو ظلم وفعل كفر ومعصية ، فليس الشر عنده مفعولا لله عز وجل ولا مرادا ؛ لذا تجده في الآية : يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 176 ] . قد تأول تعلّق إرادة الله بانتفاء حظهم من الآخرة بأنها متعلقة بانتفاء رحمته عز وجل لهم وذلك لفرط كفرهم . وهو ما يمكن فهمه من قوله : « فإن قلت : هلّا قيل : لا يجعل الله لهم حظا في الآخرة وأي فائدة في ذكر الإرادة ؟

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 478 ، 479 . ( 2 ) تفسير الطبري ( ت 310 ه ) ، ج 4 ، ص ، 146 وأبو حيان الأندلسي ( ت 754 ه ) ، ج 3 ، ص 399 - 400 . وتفسير ابن كثير ( ت 774 ه ) ج 1 ، ص ، 420 وتفسير البيضاوي ( ت 791 ه ) ، ج 2 ، ص 107 . ( 3 ) انظر عبد القاهر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 341 .