السعيد شنوقة
393
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
قلت : فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر تنبيها على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم » « 1 » ولم يخرج تفسيره للآية : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران : 178 ] عن كون الإثم الواقع منهم ليس مرادا لله سبحانه بل هو على خلاف إرادة الله إلا أنه حين أدرك أن ازدياد الإثم مراد الله بتنصيص الآية وبما لا يقبل التأويل « 2 » جعل ازدياد الإثم سببا وليس غرضا قائلا : « فإن قلت كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم لله تعالى في إملائه لهم ؟ قلت : هو علة الإملاء وما كلّ علة بغرض ، ألا تراك تقول : قعدت عن الغزو للعجز وللفاقة ، وخرجت من البلد لمخافة الشر وليس شيء منها بغرض لك ، وإنما هي علل وأسباب فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسببا فيه » « 3 » ، ومعنى الآية عند بعضهم : إملاء من الله واستدراج « 4 » أو تخليتهم وشأنهم . ويتأول الآية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] بما يذهب إليه المعتزلة في أن الكبيرة توجب خلود العبد في النار ولو كان موحدا ما لم يتب عنها ؛ فيقول : « ولما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست ، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن ؛ فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء فقلّلوا عدد المنكوحات لأن من تحرّج من ذنب أو تاب
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 482 . ( 2 ) انظر ابن منير الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 482 وأبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 3 ، ص 446 . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 482 . ( 4 ) انظر الزجاج ( ت 311 ه ) ، تفسير أسماء الله الحسنى ، تحقيق أحمد يوسف الدقاق ، دار الثقافة العربية ، دمشق 1974 م ، ص ، 41 وانظر تفسير البيضاوي ؛ ج 2 ، ص 119 .