السعيد شنوقة

383

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وما عدا الأصوات لا يحق أن يسمع عقلا عند الزمخشري ، وهي فكرة اعتزالية صرّح بها قائلا : « فإن قلت : ما تقول في قوله : فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 227 ] وعزمهم الطلاق مما يعلم ولا يسمع ؟ قلت : الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار لا يخلو من مقاولة ودمدمة ، ولا بدّ من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان » « 1 » . فالعازم على الطلاق وترك الفيئة والضرار لا بدّ أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك ، ومثل هذا الحديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان فهو عز وجل به سميع عليم . وقد أثبت العلم الحديث هذا فبيّن استحالة التفكير بغير اللغة غير أن ما يتعلق بالله الخالق يصعب التفكير فيه والبت في شأنه لقوله سبحانه : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . وهاتان صفتان وردتا باعتبار الشرط وجوابه وقد جاءت صفة السمع هنا لأن المعنى : إن عزموا الطلاق أوقعوه ، ولا يكون الإيقاع باللفظ ؛ فهو من باب المسموعات والصفة متعلقة بالجواب لا بالشرط ؛ لذا قال أبو حيان الأندلسي : لا تحتاج إلى تأويل « 2 » إن ذلك العزم مما يعلم عند الزمخشري ولا يسمع ، ويرى أهل السنة في هذا المعنى أن كل موجود يجوز أن يسمع ويصح أن يرى كالأصوات والروائح والملموسات والطعوم والمعاني بجملتها . وعلى هذا فلا يترتب على السمع عند المعتزلة أن يكون المسموع صوتا ولا نطقا مثلما اعتقدوا أن موسى عليه السلام سمع الكلام القديم وليس بحرف ولا صوت ؛ فليس ثمة ما يدعو إلى الخلاف مع أهل السنة إذا ما أجرى الزمخشري الموجودات على نوعيها المسموع والمرئي التي تعلم بالحس وتعلم بغيره « 3 » . أما إذا وجه الكلام بأن ما عدا الأصوات لا يجوز أن يسمع عقلا فيخصه ويلزم مذهبه الذي لا ينكرون فيه الكلام النفسي باعتباره خواطر طارئة على النفس ، وإنما يعدونه تقديرات تابعة للعبارات اللفظية إذ الكلام حسبهم في الواقع ما كان حروفا يعبر عنها اللسان « 4 » .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 364 - 365 . ( 2 ) انظر البحر المحيط في التفسير ، ج 2 ، ص 450 . ( 3 ) انظر الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، مكتبة المتنبي القاهرة ، ص ، 302 ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 365 - ، 364 وأحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 41 - 42 . ( 4 ) لقد طبق المعتزلة هذا الرأي على كلام الله ؛ فحين أنكروا الكلام النفسي أثبتوا أن كلام الله ليس إلا ما -