السعيد شنوقة

384

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

أما أهل السنة فقد عبّر الإيجي عن موقفهم في هذه المسألة بقوله : « فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة ؛ فنحن نقول به ، ولا نزاع بينا وبينهم في ذلك ، وما نقوله في كلام النفس فهم ينكرون ثبوته ولو سلموه لم ينفوا قدمه ؛ فصار محل النزاع نفي المعني وإثباته » « 1 » . ولم يخرج النزاع في الأصل عن مسألتين بينتين : الأولى كلام الله صفة له ، ولما كان كل ما هو صفة لله تعالى هو قديم عند أهل السنة ترتب عليه أن كلام الله قديم . الثانية : القرآن كلام الله وهو مؤلف من حروف مرتبة متتالية في الوجود وكل ما كان كذلك فهو حادث ؛ لذا قال المعتزلة إن القرآن حادث مخلوق . فما كان النزاع ليحتدم بين الناس يومئذ لو حددت مواضعه بالكيفية السابقة كما قال أحمد أمين « 2 » . وقد أنكر المعتزلة الشفاعة لأنهم يوجبون مجازاة الله تعالى للمطيع على طاعته وللعاصي على معصيته إيجابا عقليا ، قال الزمخشري في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 254 ] : إن أردتم أن يسقط ما عليكم من الواجب لم تجدوا شفيعا يشفع لكم في إزالتها عن ذمتكم لأن الشفاعة زيادة الفضل لا غير في دار القرار « 3 » . غير أن أهل السنة ذكروا أدلة كثيرة تثبت الشفاعة للعصاة من المؤمنين ، منها ما ذكره الطبري ( ت 310 ه ) بأن قوله تعالى : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ الآية : « مخرجها في الشفاعة عام والمراد خاص » . وإنما معناه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ لأهل الكفر بالله لأن أهل ولاية الله والإيمان به يشفع بعضه لبعض ( . . ) وقوله : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ دلالة واضحة على صحة ما قلنا . وأن قوله : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ إنما مراد به أهل الكفر « 4 » . وقد ذهب الواحدي ( ت 468 ه ) إلى أن نفي الشفاعة عام لأنه عنى الكافرين بأن هذه

--> - نقرؤه ونسمعه من القرآن الكريم والكتب الدينية وهو مخلوق . انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 42 . ( 1 ) المواقف في علم الكلام ، مكتبة المتنبي ، القاهرة ، ص 294 . ( 2 ) انظر ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 43 - 44 . ( 3 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 384 . ( 4 ) تفسير الطبري ، ج 3 ، ص 3 - 4 .