السعيد شنوقة
380
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] ، وقوله : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [ التوبة : 105 ] وغيرها . وجاء في السنة النبوية « 1 » : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » ، وقوله : « يا عباس بن عبد المطلب اعمل لا أغني عنك من الله شيئا » ؛ وغيرها . فهذه نصوص إذا نظر إليها العبد لا يسعه إلا أن يردّ أعمال العباد الاختيارية إليهم معتقدا أنهم يستحقون الثواب إن أحسنوا والعقاب إن أسائوا . وظاهر هذه الأدلة عقلية أيضا تشهد بعدالة الله وبحكمته ؛ لأن العبد لو لم يكن موجدا لما اختار من أعماله لما كان ثمة وجه لأن يستحق المثوبة أو العقوبة ، وكيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له ولم يصدر عنه ؟ « 2 » . ولم يجد أهل السنة مع تلك النصوص والأدلة العقلية إلا ترجيح قولهم : إن العبد لا يخلق أفعال نفسه الاختيارية ، وإنما هي خلق الله وحده ؛ لكن إذا سئلوا : كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده هو ؟ وكيف يتفق هذا مع عدل الله تعالى وحكمته في تكليف خلقه ؟ قالوا : إن العباد وإن كانوا غير خالقين لأعمالهم فإنهم كاسبون لها وهذا الكسب « 3 » هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب
--> ( 1 ) صحيح البخاري ، 4757 وكذا صحيح مسلم باب كيفية الخلق 6679 ، وكذا جامع الترمذي باب ما جاء في الشقاء : ، 6679 وانظر تفسير القرطبي ، ج 9 ، ص 98 ، وكذا محمد بن العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن ، تحقيق مكتب البحوث والدراسات ، دار الفكر ، بيروت 1996 ، ط 1 ، ج 2 ، ص 30 . وابن القيم الجوزية ، التبيان في أقسام القرآن ، دار الفكر ، ص 40 - 41 . ( 2 ) محمد بن عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان ، ج 2 ص 31 . ( 3 ) ذكر الأشعري اختلاف الناس في « خالق » ؛ فقال قائلون منهم : معنى أن الخالق خالق ، هو أن الفعل وقع منه بقدرة قديمة فإنه لا يفعل بقدرة قديمة إلا خالق ومعنى « الكسب » أن يكون الفعل بقدرة محدثة ، فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب وهذا قول أهل الحق واختلفوا في مسألة هل الإنسان فاعل على الحقيقة ، فقد رأى المعتزلة إلا ( الناشئ بأن ) ( 4 ) الإنسان فاعل على الحقيقة لا المجاز . بينما رأى أهل السنة الإنسان فاعلا على الحقيقة بمعنى مكتسب ومنعوا أنه محدث : مقالات الإسلاميين ، تحقيق هلموت ريتر ، ج 1 ، ص 539 - 540 . ورأى التفتازاني : أن « الخالق هو الله تعالى وبالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش دون البعض وحركة الارتعاش ، احتجنا في التقصي عن هذا إلى القول بأن الله تعالى خالق كل شيء والعبد كاسب وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب ، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خلق . والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين لكن بجهتين مختلفتين فالفعل مقدور الله تعالى بجهة الإيجاد ومقدور العبد بجهة الكسب « شرح العقيدة النسفية ، تحقيق مصطفى مرزوقي ، دار الهدى ، الجزائر ( د . ت ) ، ص 69 - 70 . ( 4 ) هكذا بالأصل ، وهو خطأ . ا ه . مصححه .