السعيد شنوقة
381
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ويتحقق به عدل الله وحكمته فيما شرّعه للمكلفين . وبهذا حملوا النصوص الأولى على الخلق ، وحملوا الثانية على الكسب جمعا بين الأدلة ، وإن سئلوا عن الكسب اختلفوا وتعددت وجهة نظرهم فيه ، أهو مقارنة القدرة القديمة للحادثة أم هو العزم المصمم ؟ لقد بهرت النصوص الأولى أهل السنة فحملوها على الخلق . قالوا إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية . ويهمنا كثيرا ما ذهب إليه صاحب الكشاف في هذا المقام ؛ فإن قيل لهؤلاء وللزمخشري : أليس الله خالق كل شيء ومنها أفعال العباد ؟ قالوا : بلى ؛ إنه خالق كل شيء حتى أعمال عباده الاختيارية . غير أن خلق بعض الأشياء بلا وساطة وخلق بعضها الآخر بوساطة . وأعمال المكلفين من النوع الثاني ، خلقها عز وجل بوساطة خلق آلاتها فيه وهي : القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلق بكل من الطرفين فلا حول ولا قوة للعباد سوى أنهم استعملوها على أحد وجهيها : إما بحسن الاختيار وإما بسوئه . ومن هنا يبدو رأي المعتزلة بأنه تعالى خالق أفعال عباده ولكن على سبيل المجاز باعتبار أنه سبحانه خالق أسبابها ووسائلها « 1 » . ولكن ألا يستدعي رأي المعتزلة هذا أن يكون العباد المخلوقون مشاركين لله تعالى في فعله في فعل الشر ، وهذا يناقض عقيدة التوحيد وبرهان الوحدانية ؟ والحقيقة أنهم أرادوا تأكيد حرية الإنسان ومسئوليته . لقد رأوا في جواب هذا التساؤل أن الوحدانية لا تنفي وجود ذوات أو صفات أو أفعال لغيره ، وإنما الوحدانية معناها نفي أن يكون له عز وجل شبه في ذاته أو صفاته أو أفعاله . ولا يمنع المعتزلة وجود ذوات لا تشبه ذاته ولا يمنعون وجود صفات مخالفة لصفاته ، وهذا ما جعلهم يسألون السنيين : لم تمنعون وجود أفعال من العباد لا تشبه أفعال الله وهو ما نقول به في خلق العباد لأعمالهم التي لا تشبه أفعال الله بحال ؟ وأمام رأي الفريقين وتأويلاتها لا نملك إلا أن نقول بأن لكليهما وجهة نظر قوية توظفه بإحكام بما ينأى بها ويبعد عن الوقوع في المحظور « 2 » .
--> ( 1 ) انظر محمد بن عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 31 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 2 ، ص 31 - 32 .