السعيد شنوقة
379
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
يتضمن اعتقاد آلهة غير الله تخلق لنفسها ما أرادت من الكفر والإيمان ؛ وذلك لقوله في تفسيره السابق : « فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر . . . » ولكن إلى أي حدّ يمكن اعتماد هذا الرأي أو الاعتداد به ؟ يبدو أن المعتزلة قد بينت العلاقة بين خلق الإنسان لفعله وقدرته عليه وبين العناية الإلهية التي دأبوا على تسميتها باللطف الإلهي الذي هو « خلق قدرة الطاعة » « 1 » وقالت المعتزلة أيضا : « التوفيق خلق لطف يعلم الله أن العبد يؤمن عنده والخذلان امتناع ذلك ، واللطف خلق فعل يعلم الله تعالى أن العبد يطيع عنده » « 2 » ويتضح من نص الزمخشري أن خذلان الله تعالى لبني إسرائيل معلل بكفرهم ، وللمعتزلة في الخذلان أوجه . من يترك الله سبحانه أن يحدث من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين كنحو قوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [ محمد : 17 ] ، فترك الله تعالى الفعل هو الخذلان منه عز وجل للكافرين وهو تعبير لا يجوز في حقه سبحانه . وقال بعضهم : « الخذلان من الله سبحانه هو تسميته إياهم والحكم بأنهم مخذولون . وقال بعضهم : الخذلان عقوبة من الله وهو ما يفعله بهم من العقوبات . وقال أهل الإثبات قولين : الخذلان قوة الكفر . وقال بعضهم : خذلهم أي خلق كفرهم » « 3 » . والذي يهمنا هنا هو أن الزمخشري جعل كفرهم مخلوقا لأنفسهم ، ولكن لا يعقل أن يكون العبد خالقا لما اختاره من أفعاله لأنه لو كان خالقا لها لكان عالما بتفاصيلها وينبغي القول بأنه يشعر من نفسه أن أشياء كثيرة تصدر عنه من فعله الاختياري من غير أن يعرف تفاصيل ذلك ؛ فليس هو الخالق لها . ومع هذا توجد نصوص من القرآن الكريم ومن سنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم تنسب أعمال العباد إليهم ، منها قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ الجاثية : 15 ] وقوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] وقوله : إِنْ تَكْفُرُوا
--> ( 1 ) أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد ( ت 478 ه ) ، الغنية في أصول الدين ، ج 1 ، ص 135 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 135 . ( 3 ) الأشعري ، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، تحقيق هلموت ريتر ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط 3 ، ج 1 ، ص 265 .