السعيد شنوقة
367
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الآية الكريمة : هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ [ الكهف : 15 ] بأنه « تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال ، وهو دليل على فساد التقليد وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت » « 1 » . وفسّر قوله عز وجل بما يعزز رأيه في ضوء منهج القول بالدليل العقلي : ف قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ يونس : 35 ] معناه أن الله وحده الذي يهدي للحق بما خلق في العباد المكلفين من العقول ، وبما منحهم من التمكين لينظروا في الأدلة بهذا الكون وبما منحهم من ألطافه ووفقهم وألهمهم به ، وبما أرسله تعالى إليهم من الشرائع « 2 » ؛ فليس ثمة هداية غير هداية الله تعالى تهدي إلى الحق وتوصل إليه . ومن تفسيره بالدليل العقلي قوله في الآية : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى [ طه : 16 ] بأن المعنى : اعلم أنهم وإن كثروا بعددهم فإنهم اتبعوا الهوى وجعلوه قدوتهم ، فهم لم يتخذوا البرهان في إيمانهم ، ولم يعتمدوه ويتدبروه ، ولا ريب في أن هذا حث على الدليل ودعوة إلى العمل به « 3 » . إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى عند المعتزلة لأنه قبيح تعالى الله عنه ، فقد قالوا في قوله عز وجل : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] : إن الله تعالى يريد أن يضل الكافر ، وإضلاله إياه تسميته إياه ضالا ، وحكمه عليه بما كان منه من الضلال ، فالله تعالى لا يضل أحدا . والإضلال عدم منح العبد الإلطاف وتركه مفتونا وتخليته بحاله لأنه ليس أهلا للإلطاف بصفاته وأفعاله ، فيختار الضلالة « 4 » وقد اختلفوا في معناه ؛ فبعضهم أو أكثرهم على أنه التسمية لهم والحكم بأنهم ضالون كما سبق أو أنه ترك إحداث اللطف والتسديد الذي يفعله الله بالمؤمنين ، وهذا الترك يحتمل أن يكون هو المراد به الإضلال .
--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 474 . ( 2 ) م ن ، ج 2 ، ص 237 . ( 3 ) م ن ، ج 2 ، ص 533 . ( 4 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، ج 1 ، ص 325 .