السعيد شنوقة

368

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وذهب بعضهم إلى أن المراد به إهلاك الله تعالى إياهم أي عقوبة منه لهم . والإضلال عن الدين عند أهل الإثبات قوة عن الكفر . وقال بعضهم : الإضلال عن الدين هو الترك وهو قول « الكوماني » . وذهب بعضهم إلى أنّ أضلّهم معناه خلق ضلالهم . والمعتزلة امتنعوا عن أن يقولوا : إن الله عز وجل أضلّ عن الدين أحدا من خلقه « 1 » . ولم يخرج الزمخشري عما سبق حين فسر قوله عز وجل : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] رأى أن إسناد الإضلال إلى الله عز وجل ليس على حقيقته ، وإنما هو على سبيل المجاز لأن المعتزلة يحملون ظاهر النص المخالف لأصولهم على التأويل ، فرأوا في ضوء هذا أن الله سبحانه لم يخلق الإضلال ولم يفعله ؛ لذا أسند إلى الله إسناد الفعل إلى السبب فكما أن السلة التي حوت دجاجا وأخبصة كانت سببا لقيود أحد المحبوسين : سئل مالك بن دينار عن قيده فرفع رأسه وإذا سلة معلقة ؛ فسأل عما تحتويه فأنزلت إليه وعرف ما فيها من دجاج وأخبصة ؛ فأجاب سائله : « هذه وضعت القيود على رجلك » ؛ فكذلك جاء إسناد الإضلال إلى الله تعالى على غير حقيقته ثم ذكر من الأسرار البلاغية على ذلك : تسمية العهد بالحبل في قوله تعالى : يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [ البقرة : 27 ] على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الارتباط بين المتعاهدين . وما ذكره ابن التيهان للرسول صلى اللّه عليه وسلم في بيعة العقبة : « يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها فنخشى إن الله عز وجل أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك » ، ومنه القول : شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس . . . فنبّهت على الشجاع بأنه أسد ، وعلى العالم بأنه بحر ، وعلى العهد قبل ذلك بأنه الموثق . وكان العرب يسكتون عن ذكر الشيء المستعار ويرمزون إليه ببعض ما يدل عليه . ثم بيّن المراد من الآية : هم الذين نقضوا عهد الله من أحبار اليهود المتعنتين أو منافقوهم أو الكفار كافة موضحا أن عهد الله ليس سوى ما ركّزه في عقولهم من الحجة على التوحيد أمرا وصّاهم به ووثقه عليهم « 2 » . فهو يرى على قاعدة الاعتزال أن

--> ( 1 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 325 ، 326 والقرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص ، 244 وتفسير البيضاوي ج 2 ، ص ، 187 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة 133 - 132 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 267 - 268 .