السعيد شنوقة

366

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

فمن مادة العدم وجد العالم . والله عز وجل هو مانح الوجود ، لذا قصدوا بتقسيمهم الأشياء إلى هذين القسمين تنزيه ماهية الله المطلقة عن أن تشابه ماهية العالم ومن أن فعله فقط منح الوجود للمعدوم « 1 » . ويتفق موقفنا في هذا مع ما ذهب إليه بعض الدارسين « 2 » وهو كيف يكون المعدوم شيئا قبل أن يوجد لأن لفظ الشيء يطلق على ما هو موجود ؟ ، وقد رأى الخياط ذلك قائلا : « إن الأشياء لا تكون أشياء قبل كونها » « 3 » . ويبدو من قول علي النشار : أن فعل الله هو الذي منح الوجود للمعدوم معناه أن فعل الله عز وجل هو منح الأشياء للأشياء على ما قاله . وظاهر أن التناقض بيّن هاهنا . وقد أوجب المعتزلة في التفسير اتباع الدليل العقلي وردّ ما خالفه ، ودعوا إلى حمله على ما يقبله العقل . أشار إلى هذا ابن المرتضى فيما ورد من النصوص التي ينافي ظاهرها عصمة الأنبياء مثلا ويقتضي وقوع الخطأ منهم مبينا أن في الكلام ما هو حقيقي وما هو مجازي ، وقد يعدل المتكلم به عن ظاهره ، وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك . وجاء من هذا الكثير في كلام الله العزيز ما يوحي بالانتقال والحركة والتجسيم « 4 » ، والله منزّه عن ذلك ؛ فلا بد من العدول عما يقتضيه ظاهر الألفاظ فيه وتأوّله « 5 » . ويظهر تمسك الزمخشري بالدليل العقلي هذا في تفسيره قوله : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 111 ] ؛ فقد رأى أن الآية أهدم شيء لمذهب المقلدين وبأن خلوّ أي قول من دليل عليه يجعله باطلا غير ثابت « 6 » ، وقوله في

--> ( 1 ) انظر نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، دار المعارف القاهرة ، ط 7 ، 1973 ، ج 1 ، ص 426 . ( 2 ) انظر د . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 529 . ( 3 ) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، ص ، 108 ود . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 328 . ( 4 ) قوله تعالى : جاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] . وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [ البقرة : 210 ] . ( 5 ) انظر أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ج 2 ، ص 399 . ( 6 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 305 .