السعيد شنوقة
362
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
المستحيل . ويبدو أن توغل المعتزلة في الجدل الكلامي حول مسألة المعدوم هو الذي أدى إلى قولهم بأن المعدوم شيء لأنه موضوع للفكر ، فمثله مثل الموجود لا بدّ أن يكون له نوع من الوجود ، وأقل ما فيه من الثبوت أن التفكير يتعلق به ؛ وعلى هذا وقع التساؤل : لم لا يفكر الإنسان في المعدوم بدلا من أن لا يفكر أصلا ؟ « 1 » وقولهم بشيئية المعدوم متأتّ من إقرارهم الماهيات « 2 » قبل دخولها إلى الوجود ؛ وبذلك يمكن تصور الماهيات دون أن يكون لها وجود في الخارج لأنهم يعتقدون أن الوجود زائد عليها وهي معروضة له وقد تخلو عنه ، وبمعنى آخر : إنّ من أثبت المعدوم شيئا لا بد أن يقرّ زيادة الوجود عليها كالقائل باتحادهما لا يقر بماهيات سابقة على الوجود المتحقق « 3 » . والمعدوم عند الأشاعرة منتف ، ليس بشيء . قسّمه الباقلاني ( ت 403 ه ) إلى « 4 » : - معلوم معدوم لم يوجد ولن يوجد وهو المحال الممتنع الذي ليس بشيء ، وهو الذي يحمل القول المتناقض كاجتماع الضدين ووجود الجسم في مكانيين . - ومعدوم لم يوجد قط ، ولن يوجد لأن الله عز وجل قدّر ألّا يوجد وأخبر بذلك ، وهو مما يصح ، ويمكن أن يوجد كرد أهل المعاد إلى الدنيا ، وخلق مثل العالم ، وأمثاله مما علم وأخبر أنه لا يفعله ، وإن كان مما يصح أن يفعله الله تعالى . - ومعلوم معدوم في الآن أو في وقتنا هذا ، ولكنه سيوجد فيما بعد كالحشر والنشر والجزاء والثواب والعقاب وقيام الساعة . - ومعلوم آخر هو معدوم في هذا الوقت بيد أنه كان موجودا من قبل نحو الذي مضى من أحوالنا وتصرفنا .
--> ( 1 ) انظر ديبور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص 100 . ( 2 ) تطلق الماهية على الأمر المتعلق كالمتعلق من الإنسان وهو الحيوان الناطق مع قطع النظر عن الوجود ، والأمر المتعلق من حيث أنه معقول في جوابه هو سمي ماهية ، ومن حيث ثبوته في الخارج سمي حقيقة . ومن حيث امتيازه عن غيره هوية ، ومن حيث جمل اللّوازم له ذاتا . . . » . الجرجاني ، التعريفات ، ص 209 . ( 3 ) انظر الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 53 . ( 4 ) كتاب التمهيد ، ص 15 ، 16 .