السعيد شنوقة

361

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الملوك لا يسألون عما يوردونه في مملكتهم هيبة وإجلالا رغم جواز زللهم وفسادهم فإن الله تعالى ملك الملوك وربّ الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل عن أفعاله مع أن العقل دال على أن كل ما يفعله إنما هو مفعول بدواعي الحكمة ولا يجوز عليه الخطأ أو فعل القبائح « 1 » . ولا ينفي المعتزلة صفات الكمال عن الله عز وجل كما يرى هذا أهل السنة ، وإنما يقولون بأن الصفات خارجة عن الذات الإلهية فتوهم بالتعدد الذي يتنافى مع التوحيد ؛ لذا قال الزمخشري في الآية : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [ طه : 81 ] . والذي جرّ الزمخشري ، حسب أهل السنة إلى القول بأن في الكائنات ما ليس مخلوقا من اللّه تعالى لقبحه شبيه بمفهومه للخداع في الآية : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 9 ] ، فالله تعالى لا تخفى عليه خافية فلا يتصور أنه يخدع . وهو سبحانه حكيم لا يفعل القبيح . أما المؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا « 2 » . فالزمخشري يمنع أن يكون الله مخدوعا لكونه عالما بذاته ، تعم عالميته كل كائن فلا يخدع إذ نسبة الذات إلى الكائنات واحدة ، ولا يتم استحالة كون الله تعالى خادعا إلا باستحالة صدور بعض الكائنات عنه لأنه قبيح . وقال عند تفسيره قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 20 ] فإن قلت : « كيف قيل : عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر ؟ قلت : مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا ، فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها ؛ فكأنه قيل : على كل شيء مستقيم قدير . ونظيره فلان أمير على الناس : أي على من وراءه منهم ، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس » « 3 » . يفهم منه أن الشيء ، يتناول عند المعتزلة الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده « 4 » ولا يتناول

--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 568 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 170 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 222 . ( 4 ) انظر نوران الجزيري ، قراءة في علم الكلام ، الغائية عند الأشاعرة ، ص 23 .