السعيد شنوقة

351

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

جعل المعتزلة العقل أساسا أول لفهم الشريعة ، وعدوا الدليل السمعي تابعا للدليل العقلي ، وبهذا رأوا الدليل العقلي أصلا والشرعي فرعا ، وقالوا : إن الشريعة تؤكد ما في العقول ، ولا تختلف معها ، وبأنها ليست بمفردها الدالة على وحدانية الله تعالى وعدله وسائر الأحكام العقلية . لقد حاولوا في إطار هذا المفهوم الاحتكام إلى العقل وأدلته والتمييز بينها وبين أدلة الشرع ، وحرصوا على توظيف ذلك في علاج قضايا التوحيد ومسائل النبوات والسمعيات . ولم يكن الزمخشري ليخرج عن هذه السمة في التوجه الفكري المعتدّ للعقل لأنه حلقة من حلقاتها فاتبع سابقيه في تفسير أي الذكر الحكيم متخذا من العقل وأدلته أداته في النظر والمقارنة والبرهنة والتحديد والبيان لفهم القرآن الكريم والرد على المطاعن . اتسم بالعقل باعتباره إحدى سمات الإنسان مهما كان جنسه وقومه ، ولإبعاد التفاخر الذي لا يعزز التطلع الإنساني الصحيح الذي اعتمده بعض الملل آنذاك ، فكان سعيه حثيثا جادا لإقرار ما اعتقده في الأصول الخمسة لتنزيه الله تعالى وإثبات توحيده وإقرار عدله . ولم يكن له من خيار في ذلك غير العقل لأن بعض الخصوم لا يقولون بأدلة الشرع . كان رفدهم وسندهم قائما على فلسفات ذات نظر عميق شامل ، فليس له كما كان ذلك لمشايخ مذهبه إلا مواجهتها بما يناسب أدواتهم ومنهجهم . وقد جنح في هذا الإطار إلى بث إحدى المسائل البارزة في تاريخ المعتزلة ، وهي مسألة " خلق القرآن " التي بسطت في إطار نظري عقلي ، وكان بثّه لها في قوله : « وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزل » « 1 » يوحي لفظ الخلاقة بكونه مخلوقا للقبول « 2 » .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 97 . ( 2 ) قال الشريف الجرجاني في هذا : « واستعمل لفظ القوة ثم لفظ الخلافة المنبئة عن كونه مخلوقا للقبول » : حاشية الشريف الجرجاني ، هامش الكشاف ، ج 1 ص 97 . لقد تناول المعتزلة مسألة « خلق القرآن » في إطار أصولهم الخمسة في الأصل الأول : « التوحيد » الذي يقول به كل مسلم ، ولكن المعتزلة قصدوا في القول به تخصيصا لا يقول به غيرهم ، هو أن يكون الله قديما ( أزليا ) بذاته بينما صفاته ليست كذلك ، وعدّتهم في هذا النظر والاستدلال ؛ إذ يرون أن الله إذا كان « عالما » فإنه عالم بالذات الإلهية نفسها « فهو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة . وهي صفات قديمة ومعان قائمة به » . -