السعيد شنوقة
352
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وحين نحصر محور الجدل في صفة الكلام نجد المعتزلة يرون استحالة انفراد هذه الصفة بوجود مستقل عن ذات الله ليكتب ( الكلام ) في ( كتاب ) ثم نقول : إن هذا الكلام المكتوب المقيّد على صفحات الورق هو عينه أو نفسه الذي كان قائما مع الله منذ الأزل . هذا محال عندهم ؛ لذا قالوا على ضوء هذه الاستحالة : إنه لا بد أن يكون هذا الكلام المرئي المسموع المطبوع في المصاحف القرآنية ، الذي نسمعه عند تلاوتنا لآيات القرآن - لا بد أن يكون حادثا أول ما حدث عند نزوله على لسان جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . أما أهل السنة الصفاتية والمشبهة « 2 » ومن وافقهم في التشبيه فلا حرج لديهم من أخذ الأمور على طبيعتها التي هي عليها ؛ لذلك لا يقرون بأنّ كلام الله صفة قائمة بالذات الإلهية لا
--> - الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 57 . وليست صفات العلم والقدرة والحياة قائمة وحدها ، لها من الأزلية ما لذات الله تعالى بحيث يترتب على ذلك أنه لو كانت الصفات مشاركة لذات الله في القدم لكانت مشاركة له في الألوهية ، وهذا يدل على الكثرة والتعدد المخالف لمعنى التوحيد . لقد تصوروا في التوحيد مفهوما خالصا تتصف به الذات الإلهية بوحدانية مطلقة غير منقسمة ، تعلم كلها وتقدر كلها . قال الخياط في هذا : « الله يعلم الأمور على حقائقها لنفسه ؛ فلما كان حقيقة العلم بالجسم ، قبل أن يتحرك أنه ليس بمتحرك وأنه سيتحرك ، كان عالما به على ما هو عليه من ذلك . ولما كان حقيقته في حال حدوث الحركة فيه أنه متحرك ، كان عالما به في حال حدوث الحركة فيه أنه متحرك لأن حقيقته أنه كذلك ، وإنما اختلفت العبارة عن العلم لاتصالها بالعبارة عن اختلاف أحوال الجسم ؛ فلما كانت أحوال الجسم مختلفة اختلفت العبارة عنها ثم اتصلت العبارة عنها بالعبارة عن العلم بها ؛ فاختلفت العبارة عن العلم بها لاختلاف ما اتصلت به من العبارة عنها » : الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، تقديم ومراجعة محمد حجازي ، مكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة ، ص 172 . وسعى المعتزلة من ذلك إلى نفي رؤية الله بالبصر في الدنيا وفي الآخرة ، ونفوا التشبيه عن الله من كل وجه وتأولوا ما بدا لهم مذكورا في الآيات الكريمة ، وفي هذا تجريد للأفكار وبعيد عن كل معين ومألوف الأمر . لذا حدا بأهل السنة إلى القول بصفات الله عز وجل كما وردت في القرآن الكريم ، فكان ذلك سببا في تسميتهم الصفاتية ، انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ص 55 هامش ، 1 لقد أخذ أهل السنة هذه الصور المجسدة كما هي دون تأويل ، وافقهم في هذا التجسيد غلاة الشيعة ، أنظر م ن ، ج 1 ، ص 118 - 220 . ( 1 ) انظر د . زكي نجيب محمود ، المعقول واللامعقول ، دار الشروق ، ط 4 ، 1987 م ، ص 275 . ( 2 ) شبهوا الله بالمخلوقات منهم مشبهة غلاة الشيعة ومشبهة الحشوية كمضر وكهمس وأحمد الهجيمي . قالوا : هو جسم من لحم ، ودم ، وله الأعضاء . ومنهم مشبهة الكرامية أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام . وقد تعددت أقوالهم ، وذهب زعيمهم إلى أن الله على العرش من جهة العلو ، ويجوز عليه الحركة والنزول . انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 120 وما بعدها ، ص 124 وما بعدها . وكذا الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 429 .