السعيد شنوقة

35

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وغيرهم كثير . وهكذا كان من نتيجة التحول الذي مسّ الحياة العربية الإسلامية نزوع إلى تجاوز النقل في التفسير إلى مرحلة التفسير بالرأي . قابله نزوع آخر متحفظ متحرّج من هذا الصنف من التفسير للأسباب التي ذكرنا ، فبرز في هذا الموقف فريقان : الأول : مانع للتفسير بالرأي ملتزم بالمنع القرآني ، وبما روي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحابته أو عمن أخذ عنهم من التابعين ، وقد عدّ هذا الفريق التأويل قولا على الله تعالى بغير علم ، ولا يخفى أن القول على الله منهيّ عنه ، فهو ظني لا سبيل إلى القطع بما يقال فيه ، وقد ورد في القرآن الكريم ما نهي عن القول في الله بغير دراية وعلم قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 33 ] . وعلّل منع التأويل أيضا بإضافة بيان القرآن الكريم للرسول وحده مستندا إلى قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . لهذا قالوا : ليس لغير الرسول صلى اللّه عليه وسلم بيان معاني القرآن . واعتمدوا في منعهم كذلك على ما روي من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ، وبما روي عن جندب بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » « 1 » . قال : هذا حديث غريب ، وأخرجه أبو داود ، وتكلّم في أحد رواته . وقد ذكر القرطبي عن ابن الأنباري أبي بكر أن العلماء ذهبوا إلى أنّ الرأي المقصود في حديث جندب إنما هو المعنيّ به الهوى ، بمعنى أن من قال في القرآن قولا يوافق هواه ولم يأخذه من أئمة السلف ، فقد أخطأ ، لأنه حكم على القرآن بما

--> - ( ت 1132 ه ) 1914 م . " وهميان الزاد إلى دار المعاد " في 14 مجلدا طبع بزنزبار سنة 1350 ه . وله كذلك تيسير التفسير 6 مجلدات ، طبع بالجزائر سنة 1326 ه ، وله مؤلفات أخرى كثيرة في الحديث والفقه والعقيدة واللغة منها ما هو مطبوع ومنها ما وهو مخطوط ، ترجم له ابن أخيه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش في كتابه " دعاية إلى سبيل المؤمنين " القاهرة 1342 ه - 1923 م ، ص 100 ، 109 ، وترجم له المستشرق شاخت في مقالة " المكتبات والمخطوطات الإباضية الإفريقية الجزء 100 ، 1956 الصحفة 373 وما بعدها . سافر إلى البقاع المقدسة مرتين ، وعرف بعدائه للاستعمار وحبه للعالم الإسلامي وغيرته عليه . وقد أثر في النهضة الإصلاحية للجزائر . وعرف بالوطنية الصادقة . ( 1 ) جامع الترمذي : 31 . 3 ، وسننه ( في أبواب التفسير ) ج 2 ، ص ، 157 وكذا القرطبي الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص 32 ( باب ما جاء في الوعيد في تفسير القرآن بالرأي ) .