السعيد شنوقة
340
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به ، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما في تقادح العلماء واتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله . ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ، ولا اختلاف فيه إذ رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمّه طلب ما يوفّق بينه ويجريه على سنن واحد ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه ، وتبيّن مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة في إيقافه » « 1 » ، وبهذا تكون الإشكالات في المتشابهات أرادها الله تعالى في سابق علمه وسيلة إلى تقوية الإيمان والمعرفة وطلب الحق . بيد أن تفسيرها يعد من المهام الأساسية عند المعتزلة « 2 » . وإذا كان أهل السنة قد ردّوا على الزمخشري بأن « الإدراك المنفي عبارة عن الإحاطة ، ومنه قوله تعالى : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [ يونس : 90 ] أي أحاط به . وقوله سبحانه حكاية عن قوم موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [ الشعراء : 61 ] أي محاط بنا فالمنفي عن الأبصار إذن إحاطتها به عز وجل لا مجرد الرؤية . ومن المعلوم أنه تعالى لا تحيط به الأفهام ، وهذا لا يمنع أن تعرفه فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للبصر ، وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للبصر ثابت غير منفي » « 3 » ، فإننا حين نرجع إلى بعض أعلام المعتزلة ممن سبق عهد الزمخشري نجدهم يردون على أهل السنة ؛ فقد قال القاضي عبد الجبار : « فإن قيل : وما أنكرتم في أنّ المراد بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي لا تحيط به الأبصار ؟ ونحن هكذا نقول . قلنا : الإحاطة ليس هو الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها ، ألا ترى أنهم يقولون : السور أحاط بالمدينة ، ولا يقولون : أدركها أو أدرك بها . وكذلك يقولون : عين الميت أحاطت بالكافور ولا يقولون أدركته . وبعد ؛ فإن هذا تأويل بخلاف تأويل المفسرين فلا يقبل . على أنه كما لا تحيط به الأبصار فكذلك لا يحيط هو بالأبصار لأن المانع عن ذلك في الموضعين واحد فلا يجوز حمل
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 412 - 413 . ( 2 ) انظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 151 - 152 . وكذا 124 . ( 3 ) محمد بن عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن ، تحقيق مكتب البحوث والدراسات ، دار الفكر بيروت ، ط 1 ، 1996 ، ج 2 ، ص 52 - 53 .