السعيد شنوقة
335
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الصرف لأن نسبة المد إلى الله عز وجل بأي معنى كان عندهم حقيقة إذ هو سبحانه الموجد للأشياء ، المنفرد باختراعها بحسب مقتضيات حكمته . ورأوا الآية الكريمة حجة على المعتزلة في رعاية الأصلح « 1 » . ولم يأل الزمخشري جهدا في الانتصار لأصول المعتزلة التي منها : « أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها » مستدلين بأنه « ثبت من أن العاقل في الشاهد لا يشوّه نفسه وهو لا يفعل ذلك ولا يختاره لعلمه بقبحه ولغناه عنه ؛ فإذا كان على الواحد منا ذلك فلأن يجب في حق القديم أولى وأحرى ( . . ) وما يدل كذلك أن الله تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور ، فلو كان الله تعالى خالقا لها لوجب أن يكون ظالما جائرا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا » « 2 » ؛ لذا قال في قوله عز وجل : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] أنّ نسبة الإضلال إلى الله تعالى من إسناد الفعل إلى السبب « 3 » . وقد شنع أهل السنة هذا ورأوا الآية سندا لمذهبهم في أن الضلالة والهداية بخلقه عز وجل وبيده يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد « 4 » . وكان لبعض الألفاظ القرآنية كالضلال والهدى والعبادة والإرادة والإذن والكفر والشرك والزكاة خلاف دلالي بين المعتزلة وخصومهم ، ولعل ما ذهب إليه ابن قتيبة ( ت 276 ه ) يعكس هذا حين ذكر الخلاف بين صيغتي أفعل وفعّل ( بتضعيف العين ) ؛ قال : « وذهب أهل القدر في قوله تعالى : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ النحل : 93 ] إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة ، ولهم بالهداية » « 5 » ثم أضاف : « وقال فريق منهم : يضلّهم : ينسبهم إلى الضلالة .
--> ( 1 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 188 وتفسير النسفي ( ت 710 ه ) ، ج 1 ، ص ، 20 وتفسير ابن كثير ( ت 774 ه ) ، ج 1 ، ص ، 53 والألوسي ( ت 1270 ه ) ، روح المعاني ، ج 1 ، ص 160 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 32 - 38 - ، 39 وانظر استدلالهم على إيجاد العبد لأفعاله : فخر الدين الرازي ، القضاء والقدر ، ص 226 وما بعدها . ( 3 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 267 . ( 4 ) انظر الألوسي ، روح المعاني ، ج 13 ، ص 187 . ( 5 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 123 .