السعيد شنوقة
326
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وقد قال حسن خان القنوجي : « هذه رحمة المخلوق ورحمة الرب تليق بجلاله لا يعلم كيف هي إلا هو » « 1 » . وإن ما يلزمهم في الإرادة نظير ما تجنّبوه في الرحمة . ورأى غيره من السنيين بأنها صفة تظهر في القلب وهي هنا إرادة الحنين بالعباد ، وقيل : الإنعام على المحتاج « 2 » . فهل كان المعتزلة والزمخشري معهم قد نفوا هذه الصفة « 3 » من جهة أنهم لم يفهموا من صفات الله تعالى إلا ما يليق بالمخلوق ، فعمدوا إلى نفي ذلك ومقابلته بالتأويل ؟ ويتأول الزمخشري في هذا كل ما يفيد تجسيم الله أو تشبيه بالخلق وهي من قواعد الاعتزال ، فقد لجأ في قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [ الفاتحة : 7 ] إلى تأويل « الغضب » لأنه يحمل معنى التجسيم والتشبيه لدلالته على الأعراض النفسية ، ولأن أخذها على معناها الظاهر بحسب قواعد الاعتزال يشبه الله تعالى بخلقه ؛ فما كان منه إلا صرف الكلمة عن ظاهر معناها إلى معنى مجازي يمنع وصف الله سبحانه بحقيقة الغضب ليدل على أن معناها هو إرادة الانتقام ؛ لذا قال في تفسيره للآية السابقة : « ما معنى غضب الله ؟ قلت : هو إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم ، وأن يفعل بهم ما يفعل الملك إذا غضب
--> ( 1 ) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، ص 18 . ( 2 ) شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم ، التبيان في تفسير غريب القرآن ، ص 50 . ( 3 ) وردت الرحمة على أوجه : على وجه الإسلام يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 105 ] . والإيمان وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [ هود : 28 ] . والجنة : فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ آل عمران : 107 ] . والمطر : بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ الأعراف : 57 ] . والنعمة : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [ البقرة : 64 ] . والنبوة : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ [ ص : 9 ] . أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزخرف : 32 ] . والقرآن : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [ يونس : 58 ] . والرزق : خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ [ ص : 9 ] . والنصر والفتح : إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً [ الأحزاب : 17 ] . والعافية : أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ [ الزمر : 38 ] . والمودة : رَأْفَةً وَرَحْمَةً [ الحديد : 27 ] . و رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . والسعة : تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 178 ] . والمغفرة : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 12 ] . والعصمة : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ] . انظر ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن ، ص 145 - ، 146 وكذا الغزي بن محمد بن محمد ؛ إتقان ما يحسن من الأخبار ، ج 1 ، ص 413 .