السعيد شنوقة
327
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
على من تحت يده ، نعوذ بالله من غضبه ونسأله رضاه ورحمته » « 1 » فهو صرف معنى غضب الله إلى معنى مجازي هو إرادة الانتقام مثلما فعل في صرف المعنى الظاهر لكلمة الرحمة « 2 » إلى معنى مجازي هو الإنعام ، وتجنب بهذا وصف الله تعالى بحقيقة الرحمة لتضمنه الميل النفساني أي الشفقة ؛ فالاسترحام الاستعطاف ، وتراحموا تعاطفوا « 3 » ، وهي من الكيفيات التابعة للمزاج تنزّه الله عنها ؛ وهكذا جاء تأويله منجذبا إلى تعزيز القاعدة الاعتزالية المذكورة . وهو يدرج في تأويله للغضب بإرادة الانتقام قصدا يقتضيه معنى آخر عند المعتزلة هو أنهم أوجبوا على الله عز وجل معاقبة العصاة « 4 » . أما أهل السنة فيوكلون الأمر إلى مشيئة الله تعالى الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ؛ فهم لم يوجبوا العقاب ،
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 71 . ( 2 ) انظر بعض معاني الرحمة في باب الاستعارة ، ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن ، ص 145 - 146 . والإرادة أصل الفعل منها : راد يرود إذا جاء وذهب ولم يطمئن . ورجل رائد الوساد إذا لم يطمئن عليه لهمّ أقلقه وبات رائد الوساد . وامرأة رءود : طوّافة في بيوت جاراتها . ويقال أراد بمعنى تحرك : رادت الريح إذا تحركت ونسمت . وأراد الشيء أحبه . وأراد على الشيء : قصده إليه . وقد ذكر لسيبويه قوله : إرادتي بهذا لك أي قصدي بهذا لك . ابن منظور ، لسان العرب ( رود ) ، ج 3 ، ص 191 . وقد يذكر ( أراد ) ويقصد به الحكم أي القضاء أو الاقتضاء ؛ لذا فمعنى أن الله مريد هو أنه عز وجل حكم بأن ذلك كذلك ، وقد يراد به الأمر فقولك الله مريد لأفعال العباد معناها أنه آمر بها والأمر بها غيرها . ومعنى أراد الله معاصي العباد عند بعض المعتزلة أنه خلّى بينهم وبينها . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 267 . فالله سبحانه يريد أفعال عباده أي يأمر بها والأمر بها غيرها ؛ لذا فالأفعال التي تقع من الإنسان إنما هي أفعال واقعة باختياره وإرادته عند المعتزلة بأن قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الدهر : 30 ] . تدل عندهم على التفويض والتمكين ، وليست بمعنى أن الله أراد أفعال العباد . ومن هنا رأوا أن إرادة العبد لأفعاله لا تغالب إرادة الله لأن الله هو الغالب ، وإنما أمهل العصاة للحكم ولم يجبرهم على الإيمان وذلك لأن المكره لا يستحق ثوابا . فالله أزاح عللهم وأقدرهم فمن أحسن يثاب ومن أساء يعاقب . والله عز وجل يعلم من الأزل لنفسه ما سيختاره الإنسان : انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 207 - 208 . ( 3 ) انظر الزمخشري ، أساس البلاغة ، ص 158 . ( 4 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص ، 348 وهم يؤاخذون في مسألة الوجوب العقلي الذي اتسع عندهم ليشمل الفعل الإلهي ؛ فصار الذي يقضي به العقل مثل وجوب الحكمة والصواب في الفعل البشري يحكم به ويوجبونه في الفعل الإلهي . انظر د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، ص ، 253 وكذا نوران الجزيري ، قراءة في علم الكلام ، الغائية عند الأشاعرة ، ص 264 .