السعيد شنوقة

317

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الآية ؛ والأمر عندهم نوعان : أمر تكوين وأمر تشريع . الثاني : قد يعصى ويخالف أما الأول فلا ؛ لذا فقوله عز وجل : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [ الإسراء : 16 ] لا يناقض قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] ، فلا حاجة إلى تقدير ( أمرنا مترفيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها ) بل الأمر هنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع « 1 » . ولما كان يوجب على الله تعالى العوض في الآلام التي تلحق الأطفال والمجانين ، فسّر على هذا المراد المذهبي قول الله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] قائلا : « والآية مخصوصة بالمجرمين ، ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض » ثم أضاف : « فأمّا من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فللعوض الموفى للمصلحة » ؛ فهو يقرّ هذا مستعينا بالنقل قائلا : « وعن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ، ولما يعفو الله عنه أكثر » ، وعن بعضهم : من لم يعلم أنّ ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، وأن ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه . وعن آخر : العبد ملازم للجنايات في كل أوان ، وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه ، لأن جناية المعصية من وجه ، وجناية الطاعة من وجوه ، والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة . وعن علي - رضي الله عنه - وقد رفعه : « من عفى عنه في الدنيا عفى عنه في الآخرة ، ومن عوقب في الدنيا لم تثنّ عليه العقوبة في الآخرة » . ويستعين بالنقل والآثار أيضا عند الآية الكريمة : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 154 ، 155 ] « ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا بقليل من كل واحد

--> ( 1 ) ابن القيم الجوزية ، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، ص 48 .