السعيد شنوقة
311
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
أن يكون محلا لأنّ المحلّ متحيّز والمتحيّز محدث ، وقد ثبت قدمه عز وجل . وإما أن يثبتوه موجودا في لا محل وهو محال كذلك ؛ لذا فإن حكم الكلام مقصور على محله ، منه يسمع وعليه يضاد ضده ؛ فلو وجد في لا محل لانقلب جنسه وهذا محال « 1 » . ولما كان المعتزلة يطلقون لفظ المخلوق على كلام الله « 2 » ، فإن القرآن الكريم مخلوق لأنه كلام الله وبالتالي فهو محدث لا يصح أن يكون أحدثه في ذاته لأن الكلام عندهم حروف منتظمة وأصوات متقطعة إذا تكلّم خلق في ذاته الصوت الذي هو جسم أو عرض « 3 » ، فأصبحت ذاته محلا للحوادث . ويمتنع إحداثه لا في محل كما ذكره القاضي عبد الجبار من قبل لأن الأصوات أعراض وأجسام تتصلب حيّزا تقوم به ، فلم يبق إلا أن يحدثه في محل ، لذا يرى المعتزلة الله تعالى متكلما ولكن ليس بكلام قديم ، وإنما بكلام محدث يحدثه وقت الحاجة إليه وهو ليس قائما به بل خارجا عن ذاته يحدثه في محل فيسمع من المحل مشترطين أن يكون المحل جمادا حتى لا يكون هو المتكلم به دون الله تعالى « 4 » . ولكن أهل السنة أجمعوا على أن كلام الله تعالى صفة له أزلية ، وأنه غير مخلوق ولا محدث ولا حادث ، وبأنه لا يجوز حدوث كلامه فيه لأنه ليس محلا للحوادث ، ولا في غيره لأنه يقتضي أن يكون غيره متكلما آمرا ناهيا ، ولا يجوز حدوث كلامه لا في غير محل لأن الصفة لا تقوم بنفسها ؛ لذا بطل حدوث كلامه وصح أنه صفة له أزلية « 5 » .
--> - فيقصدون بالأب الوجود وبالابن المسيح وبالروح الحياة . ويرجع كلامهم إلى التمسك بأن عيسى إله بالذي كان يجريه الله تعالى على يديه من خوارق العادات الخارجة عن مقدور البشر لذا ينبغي حسبهم أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية . انظر تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص ، 23 وانظر تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص ، 283 وكذا تفسير أبي السعود ، ج 2 ، ص 260 . ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص ، 205 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 85 ( 2 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص 45 . ( 3 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 267 ، ج 2 ، ص 256 وما بعدها . ( 4 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 305 - ، 306 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 85 - ، 86 ود . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، ص 218 - 219 . ( 5 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 337 ، وكذا محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ( ت 748 ه ) ، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار ، ج 1 ، ص 409 .