السعيد شنوقة

312

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ومما استعان به الزمخشري في القراءات لغرض مذهبي قوله عند الآية : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 88 ] : « ( غلف ) جمع أغلف أي هي خلقة وجبلّة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ولا تفقهه » « 1 » . فالمصنّف لما شعر أن هذا لا يتفق مع مذهبه لأن الآية الكريمة تشعر بأن الله خلق قلوبهم على حالة لا تقبل معها الإسلام أي يكون هو الذي منعهم عن الهدى وألجأهم إلى الكفر قال : « ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم ؛ فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة ، وتسبّبوا بذلك في منع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين » « 2 » ؛ لهذا قرأها الزمخشري ( غلف ) بضم اللام مخففة . قال : « وقيل : غلف تخفيف غلف جمع غلاف : أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره وروي عن أبي عمرو قلوبنا غلف بضمتين » « 3 » . وأنت تجد شيوخهم مثل الأصم قد استعمل القراءات لغرض المذهب ذلك ما نقف عليه في الأوجه التي ذكرها فخر الدين الرازي لمعنى ( غلف ) : أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف ما كان في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها . وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم . وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي الذي لا شيء فيه مما يصح على صحة قولك « 4 » . إلا أن الطبري قبله قال بأن القراءة التي لا يجوز غيرها في قوله تعالى : قُلُوبُنا غُلْفٌ إنما هي قراءة من قرأ ( غلف ) بتسكين اللام بمعنى إنها في أغشية وأغطية لاجتماع الحجة من القراء وأهل التأويل على صحتها وشذوذ قراءة من خالفها بأن قرأها بضم اللام « 5 » .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 295 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 295 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 295 . ( 4 ) انظر التفسير الكبير ، ج 3 ، ص 178 . ( 5 ) انظر تفسير الطبري ، دار الفكر ، بيروت ، 1405 ه ، ج 1 ، ص 407 - ، 408 وانظر تفسير القرطبي ، -