السعيد شنوقة
283
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ولما كان المعتزلة يرون تخليد الكفار واجبا على الله تعالى بمقتضى الحكمة ؛ فإن الزمخشري وجد متنفسا في قوله عز وجل : قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الأنعام : 128 ] لإقراره لأنه لا يجوز عندهم عقلا أن يشاء خلاف ذلك . قال في تأويله من خلال رأيه في الاستثناء : خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي يخلدون في عذاب النار الأبد كله إلا ما شاء الله ، إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير « 1 » ، ويظهر أن الزمخشري قد فسّر معنى الاستثناء كذلك في غير هذه الآية بما ينسجم مع مذهبه ، وذلك عند قوله سبحانه : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ] : « فإن قلت : ما معنى الاستثناء في قوله : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وقد ثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء ؟ قلت : هو استثناء من الخلود في عذاب النار ، ومن الخلود في نعيم الجنة ، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير ، وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم . وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعا منهم وهو رضوان الله كما قال : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ التوبة : 72 ] ، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو ، فهو المراد بالاستثناء والدليل عليه قوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ « 2 » ثم قال : « ومعنى قوله في مقابلته إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له فتأمله ؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضا » « 2 » ، ولكي يقرّ رأيه تجده يطعن في رأي أهل السنة إذ ينعتهم بالمجبرة ؛ قال : « ولا يخدعنك عنده قول المجبرة : إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة » « 2 » . وقدح في عبد الله بن عمرو بن العاص ما رواه من حديث شريف يتضمن المعنى الموافق لأهل السنة يشتمل عصاة الموحدين والكفار ،
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 50 . ( 2 ) م ن ، ج 2 ، ص 294 .