السعيد شنوقة
284
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
والحديث هو : « ليأتين على جهنّم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا » . ثم قال الزمخشري : « وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار وهذا ونحوه والعياذ بالله من الخذلان المبين » « 1 » ؛ فأنت ترى كيف يتعامل مع الآراء المخالفة لمذهبه وكيف يقدح في مثل عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يشهد الحديث الذي رواه على ما ذهب إليه أهل السنة . وأهل السنة أثبتوا خلود الكفار في النار ، وبيّنوا من خلال آراء العلماء في الاستثناء بهذه الآية وفي سورة هود كذلك بأنها تشمل العصاة الموحدين وتشمل الكفار ، وبأن المستثنى العصاة لأنهم لا يخلدون في مذهبهم « 2 » ؛ فهو استثناء من الخلود في النار لأن فساق الموحدين يخرجون منها . وقد قال البغوي ( ت 516 ه ) في قوله عز وجل : خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ الأنعام : 128 ] : « اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ هود : 107 ] : « قيل : أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم . يعني : خالدون في النار إلا هذا المقدار . وقيل : الاستثناء : يرجع إلى العذاب ، وهو قوله : النَّارُ مَثْواكُمْ ( الآية ) أي خالد في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب . وقال ابن عباس : يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار و « ما » بمعنى « من » على هذا التأويل « 3 » ، فالاستثناء حسب ابن عباس لأهل الإيمان . وقد ذكر القرطبي ( ت 643 ه ) عنه أيضا هاهنا أنه « 4 » قال : « هذه الآية يوجب الوقف في جميع الكفار ، ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت إذ قد يسلم . وقيل : إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا لغير عذاب . ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في هود قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [ هود : 106 ] .
--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 294 . ( 2 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف فيما تضمنه الكشاف ، ج 2 ، ص ، 50 وكذا تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 263 - 264 . ( 3 ) معالم التنزيه ، ج 2 ، ص 131 . ( 4 ) تفسير القرطبي ، ج 7 ، ص ، 84 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 4 ، ص 645 - 646 .