السعيد شنوقة
278
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وهذا التأويل الذي ذهب إليه الزمخشري يعزز خلفية اعتزالية هي أن العبد مختار ، وأن الله تعالى لا يريد منه إلا الخير . وأضاف أبو حيان أن قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] متعلق بقوله : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [ البقرة : 21 ] ، وأن الذي نودوا لأجله إنما هو الأمر بالعبادة لذا ناسب أن يتعلق بها ذلك وأتى بالموصول وصلته الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] على سبيل التوضيح أو المدح للذي تعلّقت به العبارة فلم يجأ بالموصول ليحدث عنه بل جاء في ضمن المقصود بالعبادة . وأما صلته فلم يؤت بها لإسناد مقصود لذاته ، وإنما جيء بها لتتميم ما قبلها « 1 » . والذي تقرر في النحو أنه إن كان متعلق لعل محبوبا كانت للترجي ، وإن كان محذورا كانت للتوقع نحو قولك : لعلّ العدوّ يقدم . والشكر والهداية من المحبوبات ، فيلزم أن لا يعبر عن معنى لعل في قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 52 ] و لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ البقرة : 53 ] إلا بالترجي من العبد لا من الخالق سبحانه « 2 » . وقد ذكر ابن هشام الأنصاري ( ت 761 ه ) أن جماعة منهم الأخفش والكسائي قد أثبتت المعنى التعليلي للحرف لعل ، وحملوا عليه قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] ، ومن لم يثبت ذلك حمله على الرجاء وصرفه للمخاطبين أي اذهبا على رجائكما « 3 » وهو كما ذكرنا من قبل ترجّ للمحبوب وإشفاق من المكروه نحو : « لعل الحبيب قادم وهي تختص بالممكن ، وقول فرعون : لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ [ غافر : 36 ، 37 ] : قاله جهلا أو مخرقة وإفكا » « 4 » ، ولها الدلالة على معنى الاستفهام الذي أثبته الكوفيون ؛ لذا علق به الفعل في قوله عز وجل : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] ، وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [ عبس : 3 ] وقد أشربها الزمخشري « 5 » معنى ( ليت ) من قرأ : فَاطَّلَعَ [ الصافات : 55 ] .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط في التفسير ، ج 1 ، ص ، 156 وتفسير الثعالبي ، ج 1 ، ص 38 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 327 . ( 3 ) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، ج 1 ، ص ، 471 وشهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري ( ت 815 ه ) ، التبيان في تفسير غريب القرآن ، ج 1 ، ص ، 65 والرازي ، مختار الصحاح ( علل ) . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 471 . ( 5 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 230 ، ج 3 ، ص ، 341 وكذا ابن هشام ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، -