السعيد شنوقة
277
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وإذا كان سيبويه قد وضع ( لعل ) في بابها من الترجّي المصروف للمخاطبين وليس على الله سبحانه حين قال : « فالعلم قد أتى من وراء ما يكون ، ولكن اذهبا أنتما في رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما » « 1 » . فإن ابن الأنباري وجماعة من الأدباء قد جعلوا ( لعل ) بمعنى ( كي ) حتى حملوها على التعليل في كل موضع امتنع فيه الترجّي سواء كان من قبيل الإطماع كقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أو لا نحو : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، و لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . وقد أشار الزمخشري إلى توجيه ما قالوه بأنهم لم يريدوا به أنها بمعنى كي حقيقة لأن أئمة اللغة لم يذكروا في بيان معناها الحقيقي إلا الترجي والإشفاق إذ تعذر دلالتها على التعليل لعدم وقوع كي بديلها وتعذّره ؛ وعلى هذا فقد أرادوا أن ما بعدها إذا صدرت على سبيل الإطماع من الكريم متحقق عقيب ما قبلها كتحقق الغاية عقيب ما هي سبب له ؛ فكأنها بمعنى كي . ويجري هذا التوجيه في لعل الإطماعية دون غيرها « 2 » . وقد أورد أبو حيان ( ت 754 ه ) في قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] : « المعنى أنهم أمروا بالعبادة على رجائهم عند حصولها حصول التقوى لهم لأن التقوى مصدر اتقى ، واتقى معناه اتخاذ الوقاية من عذاب الله ، وهذا مرجو حصوله عند حصول العبادة » « 3 » ؛ فعلى هذا ليست العبادة نفس التقوى كما ذكر الزمخشري الذي بنى القول في هذا على مذهبه في أن الخلق كان لأجل التقوى ، ولم يذكر غير تعلّق ( لعل ) بخلقكم حين قال : « لعل واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبّدهم بالتكليف ، وركّب فيهم العقول والشهوات ، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ، ووضع في أيديهم زمام الاختيار ، وأراد منهم الخير والتقوى فهو في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجح أمرهم ، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل » « 4 » .
--> ( 1 ) الكتاب ، ج 1 ، ص ، 331 عند تفسيره قوله تعالى : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 43 - 44 ] . ( 2 ) انظر الشريف الجرجاني ، حاشية ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 230 . ( 3 ) البحر المحيط في التفسير ، ج 1 ، ص ، 156 وكذا تفسير الثعالبي ( ت 875 ه ) ، ج 1 ، ص 37 . ( 4 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 231 .