السعيد شنوقة

264

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ويدلهم على ذلك ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بيّنة » « 1 » . أجمعوا على حرية العباد في خلق أفعالهم واختراعها ولكن الخلق هاهنا ليس لله عز وجل وإنما يقال فيه للعبد الموجد والمحدث ولا يسمى بالخالق لأن الخلق عار عن وجوه الخلل وهو في حق العبد محال « 2 » . ولم ينفوا مع علم الله الأزلي إذ يرون الله عز وجل لم يزل عالما بكل ما يكون من أفعال خلقه كلها بمن يؤمن أو يكفر أو يعصي . قال الخياط « 3 » : « إن الله جلّ ذكره لم يزل عالما بكل ما يكون من أفعاله وأفعال خلقه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ( . . . ) فقد صح من علم منه أنه يكفر ويعصي في الحكمة كخلق من علم منه أنه يؤمن ويطيع إذا كان الأمر الذي حسن له خلق من علم منه أنه يؤمن ويطيع هو تعريضه لما يوصله إلى الخلود في جنات النعيم . وكفر الكافر ومعصيته وإساءته إلى نفسه لا تغيّر إحسان الله بل ترجع باللوم على الإساءة إلى من فعلها وهو الكافر العاصي ، وترجع بالوصف بالإحسان والإنعام إلى فاعله وهو الله جل ثناؤه » . وذهب الزمخشري في حرية اختيار العبد لأفعاله متأولا الحرف « لعل » على معنى الإرادة عند تفسيره قوله عز وجل : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] : « خلقكم - لعلكم تتقون - لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضا ولكنّ لعلّ واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف وركّب فيهم العقول والشهوات ، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى ؛ فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجّح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل » « 4 » .

--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 77 . ( 2 ) أنظر فخر الدين الرازي ، القضاء والقدر ضبط نصه وصححه وعلق عليه محمد المعتصم بالله البغدادي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط 2 ، 1994 م ، ص 131 - 132 . ( 3 ) الانتصار والرد علي بن الراوندي ، ص 178 . ( 4 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 230 - 231 .