السعيد شنوقة

252

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

والفاسق أعلى درجة في خلوده مع الكافر في النار ؛ صرح به قائلا على سبيل اللغة عند الآية وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [ الأعلى : 11 ] ؛ ( الأشقى ) : الكافر لأنه أشقى من الفاسق أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » . ويجعل المعتزلة الفعل ( أحسن ) من قوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السجدة : 7 ] مشتقا من ( الحسن ) وليس من ( الإحسان ) لأن في أفعال الله تعالى ما لا يكون إحسانا كالعقاب « 2 » ، ويقرّ الزمخشري ذلك في تفسيره قائلا : « أحسن كل شيء : حسنه لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] وقيل : علم كيف يخلقه من قوله : قيمة المرء ما يحسن وحقيقته بحسن معرفته : أي يعرفه معرفة حسنة بتحسين وإتقان » « 3 » وهذا ينسجم كذلك مع ما يذهبون إليه في نفيهم أن يكون في فعله عز وجل تفاوت في الحكمة من قبح وحسن وإنما يؤكدون أن أفعاله كلها حسنة . وعلى هذا الأساس يصلون إلى منع أن تكون أفعال العبد فعلا له لأنها تشتمل على الحسن والقبيح . ولكن الذي نفهمه من تفسير الزمخشري أيضا هو أن المعتزلة لا ينكرون التفاوت في مخلوقات الله من طول وقصر وكبر وصغر . وهم يختلفون مع الأشاعرة الذين وجهوا الآية الكريمة إلى معنى الخبر بأن الله عز وجل أخبر بأنه يعلم كيف يخلق الأشياء دون معنى المدح الذي يؤكده السياق : ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ السجدة : 6 ] الذي ذهب إليه المعتزلة ؛ لذا قال الأشعري في الآية : « معنى ذلك أنه يحسن أن يخلق كما يقال فلان يحسن الصياغة أي يعلم كيف يصوغ ؛ فأخبر الله تعالى أنه يعلم كيف يخلق الأشياء » « 4 » .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 4 ، ص ، 244 وابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 4 ، ص 263 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 49 . ( 3 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 241 . ( 4 ) اللمع ، ص ، 85 وكذا القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص ، 49 وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة ، ص ، 236 .