السعيد شنوقة

245

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

في إطار التكليف هم متمكنون منه ويستطيعون أداءه وفق طاقتهم . يظهر هذا في قوله : « العدل هو الواجب لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم واقعا تحت طاقتهم » « 1 » وذلك لأنهم يرون بأنه يستحيل على الله عز وجل تكليف ما لا يطاق لأنه عندهم ظلم وجور وهو على الله محال ، غير أن أهل السنة يعتقدون أن قضاء الله كله عدل سواء كان ما يطاق أم غيره « 2 » . ويصرف المصنف الفعل ( أغفل ) إلى ( جعل ) في الآية : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] مستشهدا على ذلك من اللغة ليقر غفلة القلوب عن ذكر الله إنما كانت بالخذلان « 3 » الذي يفعله بهم عقوبة على ما اقترفوه قائلا : « من أغفلنا قلبه » : من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر بالخذلان أو وجدناه غافلا عنه كقولك : أجبنته وأفحمته وأبخلته : إذا وجدته كذلك أو من أغفل إبله : إذا تركه بغير سمة . أي إن لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان ، وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله : وَاتَّبَعَ هَواهُ الآية » « 4 » . وقد أشار أبو حيان إلى رأي الرماني المعتزلي قبله . قال : « لم نسمه بما نسم به قلوب المؤمنين بما يبين به فلاحهم . كما قال : كتب في قلوبهم الإيمان من قولهم بغير غفل لم يكن عليه سمة وكتاب غفل لم يكن عليه إعجام » « 5 » . ويبدو من تفسيري الرجلين : الزمخشري والرماني نزوع إلى أن العباد هم الخالقون أفعالهم عكس ما يراه أهل السنة في الآية نفسها دليلا على أنه عز وجل خالق أفعال العباد « 6 » . ويبين عند الآية : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون 1 ] معنى الإيمان متسائلا ؛ ليصل في جوابه بعد بيان مدلوله اللغوي إلى كشف معناه المذهبي قائلا : « فإن

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 424 . ( 2 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 425 . ( 3 ) نظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 328 . ( 4 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 482 . ( 5 ) أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 7 ، ص 167 . ( 6 ) أنظر تفسير النسفي ، ج 3 ، ص 12 .