السعيد شنوقة
239
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] « 1 » : والحياء تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم ، واشتقاقه من الحياة . يقال حي الرجل كما يقال نسي وحشى وشظى الفرس : إذا اعتلّت هذه الأعضاء ، جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغيّر منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا : هلك فلان حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء ، وذاب حياء وجمد في مكانه خجلا " ولا يرضى الزمخشري أن يوصف القديم الله سبحانه به ؛ لذا تساءل قائلا : « فإن قلت : كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغيّر والخوف والذم وذلك في حديث سلمان قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله حي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا » قلت : هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه » ثم قال : « وكذلك معنى قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها » ثم جوّز وقوع هذه العبارة في كلام الكفرة القائلين : أما يستحيي ربّ محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ؟ فجاءت على سبيل المقابلة ومطابقة الجواب للسؤال وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه « 2 » : إذا ما استحين الماء يعرض نفسه * كرعن بسبت في إناء من الورد « 3 » وقد فسّر الواحدي ( ت 468 ه ) قبله لا يستحيي : لا يترك ولا يخشى أن يضرب مثلا يبيّن شبها ما بعوضة . وذكر أن ( ما ) زائدة مؤكدة والبعوض صغار البق ، الواحدة بعوضة ؛ فما فوقها فما هو أكبر منها والمعنى : أن الله تعالى لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر وحجة على من جحد
--> ( 1 ) قرأ ابن محيصن ( يستحي ) بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة . روي ابن كثير هذا وهي لغة تميم وبكر بن وائل نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء . انظر الكشاف ، ج 1 ، ص ، 264 وكذا تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 242 . ( 2 ) لكشاف ، ج 1 ، ص 263 - 264 . ( 3 ) البيت للمتنبي ( الديوان ، ج 1 ، ص 165 ) بشرح البرقوقي . وروي البيت كذلك ( إذا ما استجبن ) من الاستجابة .