السعيد شنوقة

216

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] أن الرسل منبهين عن الغفلة ، وباعثين عن النظر كما هو لدى علماء العدل والتوحيد المراد بهم المعتزلة . وبيّن بعد هذا أن إرسال الرسل للتنبيه عن الغفلة والحثّ على النظر كما يرى علماء أهل العدل والتوحيد وتبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين ، وإبراز أحوال التكليف وتعليم الشرائع ؛ فكان إرسالهم إزاحة للسبب غايته إلزام الحجة « 1 » . هذا معناه كما ذهب إليه بعض الدارسين أن الرسل يتممون عمل العقل الذي يجب أن يؤديه أيضا قبل ظهورهم « 2 » . غير أن موضع الزمخشري من الاستدلال العقلي يأخذ التوسط والمساواة بين العقل والنقل كأداتين للمعرفة الدينية ، وهو يؤكد هذا عند تفسيره قوله عز وجل : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] : « قيل : إنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل » « 3 » . ولما كانت المحكمات تمثل عندهم أصل الكتاب تردّ إليها المتشابهات « 4 » لم يقر الزمخشري ظاهر قوله تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ البقرة : 15 ] ، فقابله بقوله سبحانه : إِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [ الأعراف : 202 ] ، وهي آية محكمة وذلك ليعزز رأي المعتزلة القائل بحرية الإرادة الإنسانية ؛ فقال إثر تساؤله : كيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان ، وهو فعل قبيح يسند إلى الشيطان ؛ وإما أن يحمل على أنهم لما أصروا على كفرهم خذلهم الله تعالى ومنعهم من ألطافه فتزايد الدنس في قلوبهم ، فسمى ذلك التزايد مددا في الطغيان ومنح ألطافه المؤمنين فتزايد الانشراح والنور في قلوبهم . وقد أسند المدد إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله ولكن فاعله في الحقيقة الكفرة . أو يراد بالمد منع القسر والإلجاء ، وإما أن يسند فعل الشيطان إلى الله عز وجل لأنه بتمكينه ، وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده « 5 » . وإذا كان المعتزلة قد تأولوا الآيات القرآنية التي يخالف ظاهرها قواعدهم المذهبية ليخضعوها لآرائهم ، فإنهم أنكروا كل الأحاديث التي خالفت أسس عقيدتهم ؛

--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 583 . ( 2 ) انظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 159 . ( 3 ) الكشاف ، ج 4 ، ص 136 - 137 . ( 4 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 412 - 413 . ( 5 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 188 ، 189 .