السعيد شنوقة
217
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
فقالوا بوجوب القطع على أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يقله أو ذهبوا إلى رده بالتماس ما يطعن في راويه ، وإذا صح خبر الحديث الشريف وسلم من ذلك جنحوا إلى القول بأنه خبر آحاد لا يقتضي العلم . وهذا يخالف طريقتهم التي تبني في ذلك على القطع والثبات لأنهم لا يقولون بأحاديث الآحاد في أصول العلم . بيد أنهم يعملون بأخبار أحاديث الآحاد في الفروع « 1 » . ويبدو أن مصطلح الحديث كله مبني على هذا المبدأ عند السنيين وعند المعتزلة . فالمعتزلة اعتمدوا في تفسيرهم للقرآن الكريم التأويل اللغوي والاستدلال العقلي وتوظيف الإعراب في النحو لنصرة آرائهم والحديث الشريف والاستعانة بعلمي المعاني والبيان ، وعمدوا في كل فعل أسند إلى الله تعالى ، وكان ظاهره لا يوافق رأيهم في حرية الإرادة إلى عد نظم الآية الكريمة من باب المجاز مثل قوله عز وجل : وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ العنكبوت : 40 ] وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس : 44 ] وقوله : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [ غافر : 31 ] فالله منزه عن القبيح والشر ولا يأمر به . وعلى هذا إذا ما كان ظاهر الآية يناقض هذا المدلول عدوها من المجاز وعكفوا على بيانه . فقوله عز وجل : وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 77 ] مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم . وهم مع هذا فسروا بالتوفيق بين القرآن الكريم والحديث الشريف منطلقين من أن ظاهر القرآن الكريم الموافق لمعتقدهم هو محكم ، وما لم يكن موافقا هو متشابه أولوه ، وأخضعوه لآرائهم الاعتزالية . وسيزداد هذا الأمر تحديدا في الباب الثاني من هذا البحث . ثانيا : التفسير بالرأي قبل الزمخشري ارتبط التأويل منذ البدء « 2 » بالخلاف حول المحكم والمتشابه من ناحية وبالخلافات السياسية والعقدية من ناحية أخرى ؛ فالقرآن الكريم كمصدر تاريخي لعصر النبوة
--> ( 1 ) انظر ابن تيمية ، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ، ج 1 ، ص 361 ، وأحمد بن إبراهيم بن عيسى ( ت 1329 ه ) شرح قصيدة بن القيم ، ج 1 ، ص ، 217 وانظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص ، 202 ود . محمد الأنور السهوتي ، دراسات في علم الكلام ، دار الثقافة العربية ، القاهرة ، 1987 م ، ص 123 - 124 . ( 2 ) تورع بعض علماء مدارس التفسير بمكة والمدينة والعراق من القول في التفسير بالرأي ومنح بعضهم -