السعيد شنوقة
213
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
( نعمة ) التي تجمع على الآلاء وهي النعم ؛ لذا قالوا إن معنى الآية السابقة : منتظرة نعم ربها ومترقبة ثوابه « 1 » . ولكن خصومهم من الأشاعرة فسروا النظر بمعنى الرؤية وليس منتظرة لأن اقتران النظر بالوجوه لا يدل عندهم على معنى نظر القلب الذي هو الانتظار كما إذا قرن النظر بالوجه لم يكن معناه إلا نظر الوجه ، والنظر بالوجه هو نظر الرؤية بالعين التي في الوجه ، فدل هذا حسبهم على صحة أن معنى قوله عز وجل : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ : رائية « 2 » . أما إثبات الرؤية عند الماتريدية « 3 » فطريقها السمع بيد أنهم اعتمدوا على الأدلة العقلية لرد حجج الخصوم من المعتزلة منها أنهم أي الماتريدية علقوا الرؤية باستقرار الجبل واستقراره من الجائزات ، ولم يعاتب الله تعالى موسى - عليه السلام - عن سؤاله الرؤية ، وما أيأسه ، وأن ظهور ربه إلى الجبل لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور غيره . ناهيك أن الماتريدية تقول بالعلة المطلقة للرؤية وهي أن الله تعالى قائم بالذات وما كان قائما بالذات يجوز رؤيته بينما يستحيل رؤية ما لا يكون قائما بها . وأنت ترى حسب هذه العلة أن الله سبحانه قائم بالذات وبناء على هذا جائز رؤيته . وهذا رد على المعتزلة الذين علقوا الرؤية بالجسم لامتناع تصورهم أحدهم أن الله تعالى يرى إلا ويعتقد أنه جسم . وما ينبغي أن نفهمه هاهنا هو أن الماتريدية استدلوا بالعقل للرد على خصومهم من المعتزلة غير أنهم أثبتوا الرؤية بالاعتماد على السمع « 4 » . واعتمد المعتزلة في تفسيرهم على الاستدلال العقلي الذي وظفوا فيه مهارتهم العقلية ؛ ساعدهم عليها حذق اللغة والنحو والتمرس البارع بالجدل والمناظرة وإتقان أدوات خصومهم « 5 » في الفلسفة والمنطق . ونحن نلحظ هذا في ردودهم على أهل
--> ( 1 ) انظر ابن قتيبة ، الاختلاف في اللفظ ، ص 30 - ، 31 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 172 - ، 173 وابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 8 - ، - 9 ود . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص 381 . ( 2 ) كتاب اللمع ، ص 64 . ( 3 ) أتباع أبي منصور الماتريدي ( ت 332 ه ) سبق التعريف به . ( 4 ) انظر د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، ص 387 - 388 . ( 5 ) انظر زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 54 وما بعدها ، ود . مصطفى الجويني ، منهج الزمخشري في تفسير القرآن ، ص 69 وما بعدها .