السعيد شنوقة

214

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

السنة في بحث الإرادة عند قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] إذ ذهب السنيون أن اللام في ( لجهنم ) لام الغرض ؛ لذا اقتضى ظاهر الآية أن الله سبحانه خلق خلقا كثيرا من الإنس والجن ليعاقبهم في نار جهنم . بيد أن المعتزلة ردوا على هذا بأن لا يستدل في هذا بالسمع لأن صحة السمع تنبئ على كونه تعالى عدلا حكيما وهو ما لا يقول به أهل السنة ! أما تخريج رأيهم من ناحية النحو فإن المعتزلة لا يرون اللام للغرض معللين رفضهم بأن لام الغرض لا تدخل على الأسماء الجامدة ، وإنما تدخل على المصادر والأفعال المضارعة ، وساقوا أمثلة لرأيهم منها قولهم : لا يقال : دخلت بغداد للسماء والأرض مثلما يقال : دخلت بغداد للعلم أو لطلب العلم ، وجهنم اسم جامد فكيف تدخله لام الغرض ؟ لذا إن قال أهل السنة : غرضه المعاقبة بجهنم كان عدولا عن ظاهر الآية وهو نزوع للتأويل . قال المعتزلة : نحن أولى به نتأوله على وجه يوافق دلالة العقل والسمع ؛ لذا فاللام لام المعاقبة لتوافق دلالة العقل « 1 » . وقال الزمخشري : « هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان ، وجعلهم لإغرائهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار » « 2 » . إن العقل آلة بحث الزمخشري وأداته في الفهم والاقتناع لذا وقف عند نصوص كثيرة من آي الذكر الحكيم وقفة عقلية يناقش المعاني ، ويستنبطها على سبيل الاستدلال العقلي ؛ فقال عند قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] : « إن قلت : كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى ؟ قلت : جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم ، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به ، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها

--> ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 138 - 139 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 131 .