السعيد شنوقة

211

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

حجج خصومهم من أهل السنة ؛ ففي قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، يتمسك المعتزلة بالمعنى اللفظي لهذا النفي العام : لا تدركه الأبصار في هذه الدنيا وكذا في الحياة الأخرى « 1 » . بينما فرّق أهل السنة بين لفظ ( أدرك ) ولفظ ( رأى ) « 2 » في معنى أن الإدراك غير الرؤية فيترتب عليه أن الله سبحانه حين نفى أن يدرك بالبصر ، فإنه لم ينف أن يرى وذلك لتخريجهم ( الإدراك ) على معنى الإحاطة ، وهنا دخل المعتزلة معهم في جدال لغوي ليبينوا الفرق بين اللفظين السابقين ، ونفوا رأي أهل السنة قائلين : ليست الإحاطة بمعنى الإدراك في اللغة ، وفي مجازها لقول العرب : السور أحاط بالمدينة ، فلا يقولون أدركها ولا أدرك بها ، وكما لا يحيط به الأبصار ، فكذلك لا يحيط هو بالأبصار لأن المانع واحد في الموضعين ؛ لذا لا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة « 3 » . ومن ثم إذا قرن الإدراك بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية ، وقد ثبت نفي الله تعالى إدراك البصر عن نفسه وفي هذا تمدح راجع إلى ذاته وما كان من نفسه تمدحا عائدا إلى ذاته تعالى كان إثباته نقصا والنقائص غير جائزة عليه سبحانه ؛ لذا فإن الإدراك إذا أطلق يحتمل معاني كثيرة ؛ فقد يراد بها البلوغ أو النضج والإيناع كقوله أدرك الثمر إذا أينع ، غير أنه إن قيد بالبصر فلا يحتمل إلا الرؤية . وبهذا يحقق المعتزلة ما أرادوه في نفي الرؤية في الدارين . ويبدو أنهم حرصوا على اتباع مسلك أبي علي الجبائي الذي انتهج الطريقة اللغوية في التفسير بصرفهم العبارات القرآنية الدالة على التجسيم إلى تأويلات تليق بمقام الله عز وجل بالاعتماد على الأدلة اللغوية محتجين بالشعر القديم ؛ فهم لا يرتاحون لظاهر قوله عز وجل : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] لذا ؛ قال ابن قتيبة : فسره أهل الرأي بمعنى فقيرا إلى رحمته ، وجعلوه من ( الخلة )

--> ( 1 ) انظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 126 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 40 وكذا إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص 77 ، وابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 7 - 8 ، وابن تيمية ، منهاج السنة النبوية ، ج 2 ، ص 317 - 318 - 319 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 168 .