السعيد شنوقة
210
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الطبيعيات والإنسانيات ، فبحثوا ما تعلق بالإلهيات بحثا أسقطوا فيه التصورات البشرية المحدودة على ما ليس في قدرة العقل أن يقطع به فيها . وهم ليسوا لوحدهم في هذا الخوض لأن السنيين كذلك خاضوا في هذه المسائل التي أعجزت البشرية إلى الآن لأنها فوق العقل . ولعله من الممكن أن نقول : إن منهجهم في تأويل القرآن قد بني على : - التفرقة بين المحكم والمتشابه فما وافق آراءهم من آي الذكر الحكيم هو محكم دال بظاهره ، وما خالفها مما يدعم رأي الخصوم عدوه متشابها لا بدّ من تأويله وكذلك فعل أهل السنة . - التأويل الذي اعتمدوه أداة ليزيلوا التناقض الذي قد يوجد بين أفكارهم العقلية عن الله تعالى ، وبين ما استدل به خصومهم من ظاهر بعض الآيات لذلك عد المعتزلة هذه الآيات من المتشابه الذي يلزم تأويله . - القول بعدم قدرة الخصوم على معرفة السمعيات وفهمها لأن صحة المعرفة قائمة على العدل والتوحيد وهي قضايا عقلية تعد مسألة جوهرية عندهم يزيدها توضيحا وكشفا ترتيبهم لأدلتهم الأربعة : حجة العقل أولا ، والكتاب ثانيا ، والسنة ثالثا ، فالإجماع ، ومعرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل « 1 » . وهم في الواقع لم يروا تنافيا بين العقل والقرآن ، ولم يجرءوا على هذا بل رأوا أن القرآن لا ينافي العقل إذا أمعن فيه الإنسان النظر إنما بذلوا جهدهم ليخلّصوا الدين من المتناقضات أو قل ليخلصوه مما قد يظهر للبعض أنه كذلك ، وهم حين ردوا على حجج خصومهم المبنية على الأدلة السمعية أسسوا وجهة نظرهم على أن الخصوم أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه تعالى لا يفعل القبيح ، وذلك حين أضافوا القبائح كلها إليه عز وجل ؛ فالتوحيد والعدل مسألة عقلية إذن حجتها العقل . ولئن عدوا النصوص القرآنية التي وافق ظاهرها آراءهم محكمة ، فإنهم بنوا صحة النص على أدلة العقل لكنهم أوجبوا تأويل ما خالف أفكارهم ، وحين عارضهم الخصوم بآراء مستندة إلى السمع دأبوا على توظيف المبدأ اللغوي لينتصروا إلى معتقدهم ويردوا
--> ( 1 ) انظر شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 40 .