السعيد شنوقة

205

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ما دون الشرك ، وهو نوع ثان من الكبائر . ويبدو أن المعتزلة لم يجمعوا على القول في مغفرة الله تعالى لمرتكب الكبيرة من غير توبة ؛ فبعضهم أجازوا مغفرة ذنوبهم من الله عز وجل من غير توبة « 1 » ويفهم من تفسيره أن ضمير الفاعل في الفعل يشاء يعود على ( من ) ، وليس على الله عز وجل لأن المعنى عنده أن الله تعالى لا يغفر الشرك لمن يشاء أن لا يغفر له باعتباره مات مشركا غير تائب منه ؛ ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن أراد أن يغفر له بكونه تاب منها . لكن أهل السنة ذهبوا إلى أن ظاهر الكلام دال على أن لا قيد في الفعل الأول بالمشيئة رغم توقف وجود الكائنات كلها عندهم على مشيئة الله تعالى ، وبأن الفاعل في ( يشاء ) عائد على الله سبحانه لا على ( من ) ؛ فيصبح المعنى : يغفر الله تعالى ما دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له « 2 » ، فكل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل إن شاء عفا عنه ذنبه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله ، ويظهر أن هذه الآية الكريمة قد حكمت بالنص في موضع الاختلاف المتمثل في تعارض عمومات آيات الوعد وآيات الوعيد « 3 » لدى الفرق ؛ لذا عدها أبو حيان السني مزيلة للشك ، وردا على الخوارج والمرجئة والمعتزلة ؛ فقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ معناه : أن من مات مشركا لا يغفر له وهو أصل مجمع عليه من الفرق الأربع . وقوله تعالى : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ رد على الخوارج والمعتزلة ؛ لأن ما دون ذلك عام تدخل فيه الكبائر والصغائر . أما قوله : لِمَنْ يَشاءُ ، فرد على المرجئة إذ معناه أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم على ما يشاء الله سبحانه وليس كما ذهب إليه المرجئة أن كل مؤمن مغفور له « 4 » .

--> ( 1 ) مثل محمد بن شبيب البصري ، والصالحي والخالدي من شيوخ المعتزلة : انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 116 . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي ، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ، دار الشعب القاهرة ، ط 2 ، 1372 ه ، ج 5 ، ص ، 245 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 3 ، ص 671 . ( 3 ) آيات الوعيد عند الخوارج عامة في العصاة كافرين ومؤمنين غير تائبين ، وآيات الوعد مخصوصة في المؤمن الذي لم يذنب أبدا أو أذنب وتاب ، وآيات الوعيد مخصوصة لدى المرجئة بالكفار ، وأما الوعد فمخصوصة في المؤمن تقيّهم وعاصيهم . وقد خصص أهل السنة آيات الوعيد بالكفرة وبمن سبق في علمه أنه يعذبه من المؤمنين العصاة . وخصصوا آيات الوعد بالمؤمن غير المذنب وبالتائب ، وبمن سبق في علمه العفو عنه من المؤمنين العصاة . وخصص المعتزلة آيات الوعد بالمؤمن غير المذنب والوعيد بالكافر وصاحب الكبيرة غير التائب : انظر أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 3 ، ص 670 . ( 4 ) انظر أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 5 ، ص 670 .