السعيد شنوقة
206
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
إن المعتزلة حكموا بعدم العفو عن صاحب الكبيرة لأن في العفو عنه إغراء له على فعل الفساد « 1 » . وإذا كان خصومهم يتمسكون بشفاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم كإحدى جهات العفو عن صاحب الكبيرة إلى جانب قولهم بأن الله يعفو عن الكبائر « 2 » فإن المعتزلة ذهبت إلى أن العفو عن الصغائر قبل التوبة أما العفو عن الكبائر فبعدها ، ولا نريد تفصيل اختلافهم في هذه المسألة . وهم إن كانوا يقرون بشفاعة الرسول في الآخرة إلا أنهم ينكرون أن تشمل الشفاعة أصحاب الكبائر ، ورأوا الشفاعة للمؤمنين ليزدادوا في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ، ورغم هذا ؛ فقد أبطلها بعضهم وخص بها البعض الآخر المؤمنين تفضلا « 3 » ، وأن ما روي من أحاديث مثل : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 4 » إنما هي لزيادة الثواب لا لدرء العقاب لقوله عز وجل : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ [ البقرة : 128 ] ، وهو عام في شفاعة النبي وغيره . وشككوا في صحة الأخبار بالأحاديث التي لا توافق أصولهم الفكرية أو عدوه عند صحته بأنه منقول بطريق الآحاد الذي لا يوجب القطع عندهم ، فيخالف طريقتهم التي هي العلم فلا يحتجون به في أصول الدين « 5 » ، وذلك فيما روي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « فخرج من النار قوم بعدها امتحشوا وصاروا فحما وحمما » « 6 » وأوردوا مقابل هذا النوع من الأحاديث أخبارا تروى للرسول صلى اللّه عليه وسلم أقوالا توافق أصلهم الفكري في الكبيرة وتدفع رأي خصومهم من أهل السنة ، من جملتها : « لا
--> ( 1 ) نظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 273 - 325 . ( 2 ) انظر الحارث بن الأسد بن عبد الله المحاسبي ( ت 243 ه ) ، فهم القرآن ومعانيه ، ص 254 - 255 والباقلاني ، كتاب التمهيد ، الباب الأربعون ص ، 365 وكذا السيوطي ( ت 911 ه ) ، الدر المنثور ، دار الفكر ، بيروت 1993 ، ج 2 ، ص ، 557 ومحمد علي الشوكاني ، فتح القدير ، ج 1 ، ص ، 475 وانظر تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 250 - 379 ، وكذا ج 3 ، ص 273 - 274 . وتفسير ابن كثير ( ت 774 ه ) ، ج 1 ، ص 506 . ( 3 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 2 ، ص 166 ، وكذا الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، مكتبة المتنبي ، القاهرة ، ص 380 ، وجولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 183 . ( 4 ) مسند الإمام أحمد رقم 12863 ، وسنن أبي داود رقم 4612 . ( 5 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 202 . ( 6 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 316 .