السعيد شنوقة

193

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

تكون القدرة الإنسانية هي المؤثرة في الأفعال ، وإنما القدرة مجرد صفة متعلقة بالفعل لا على معنى أنها مؤثرة . وتبيين هذا أن الأشاعرة يثبتون القدرة للإنسان ولا يجعلون لها أي أثر لأنهم يرون العبد محلا لقدرة الله تعالى ليس غير . ويبدو أن هذا يقربهم من جبرية جهم بن صفوان الذي يعد الإنسان مسلوب القدرة ، وبأن العباد كالظروف لأفعال الله سبحانه « 1 » لكن الملاحظ على الأشاعرة أنهم حاولوا جعل الكسب بديلا من الاقتدار الكلي للإنسان على أفعاله ؛ وبهذا يكونون أقرب إلى مبدأ الاختيار وأبعد عن الجبرية الخالصة . من هذا الموقف رد المعتزلة برأيهم المحدد على أهل السنة « 2 » جاعلين الإنسان أصلا لأفعاله وخالقا مبدعا لها لأنهم يرون في هذا تحقيقا للعدل الإلهي ولمسئولية الإنسان في إطار التكليف مجمعين القول بأن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولأعمال الحيوانات وإنما هم الذين خلقوها واخترعوها ، وبأن ليس لله تعالى فيها صنع ولا تقدير « 3 » ، ورغم موافقة معمر والجاحظ للمعتزلة في خلق العباد لأفعالهم واختراعها فإنهما نفيا أن يكون للعباد فعل في أفعالهم ، وإنما نسبت إليهم مجازا لظهورها منهم وإنها فعل الطبيعة حاشا الإرادة فقط التي يفعلها الإنسان لا غير ؛ فليس ما بعد الإرادة للإنسان حسبهما إلا بطبعه وبأنه ليس باختياره ؛ لهذا لا يقع منه فعل باختياره إلا الإرادة « 4 » . إن المعتزلة لم يختلفوا في إسناد الأفعال المباشرة إلى الإنسان ، وقد ردوا على خصومهم وأدلوا بدلوهم فيه « 5 » . وقد قصدنا بالأفعال المباشرة تلك التي لا تتعدى الإنسان الفاعل إلى غيره ؛ فهي التي تقع في محل قدرة الإنسان من غير وساطة وسبق من فعل آخر كالإرادة التي هي فعل مباشر لأن الإنسان يبتدئها في حيز قدرته ، والواقع أن للمعتزلة اتجاهين في مفهوم أن الإنسان مريد .

--> ( 1 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ص 211 ، 338 ، 339 والشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 98 . ( 2 ) وكذلك على المريسي وبرغوث والبخارية والجهمية وطوائف من الخوارج والمرجئة والشيعة . انظر ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 81 . ( 3 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 114 - ، 115 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 100 . ( 4 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 2 ، ص ، 91 والبغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 173 - 175 وابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص ، 82 والشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 84 - 88 . ( 5 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 57 - 58 - 59 - 60 - 64