السعيد شنوقة
192
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
المعتزلة كشفوا عن اختلافهم في إطلاق لفظ ( الخالق ) على الإنسان وفضّل المتأخرون منهم القول : موجد ، محدث « 1 » . لقد بينوا أن خلق العبد لا يشبه خلق الله تعالى لأن خلقه سبحانه يشتمل على الأجسام والأعراض ، وهذا متعذر في خلق العباد لأنهم لا يقدرون إلا على هذه التصرفات المتمثلة في القيام والقعود وما جرى مجراها « 2 » . وإذا كان رأي المعتزلة في قدرة الإنسان على خلق أفعاله مردودا عند الأشاعرة لأنه يؤدي إلى استقلالية تامة عن الله تعالى في معنى القدرة فإن ما أراده المعتزلة بالتحديد هو أن القدرة على خلق الأفعال لدى الإنسان تؤدي في الواقع إلى استقلالية كاملة عن الله في مجال إخراج الأفعال إلى حيز الواقع ، وهذا إقرار واضح بالتنزيه بين الله ومخلوقاته ، وتجعل الإنسان ذا الصورة المتميزة بالفعالية يؤكد اقتداره في الواقع ويؤكد حضوره فيه بإقدار من الله عز وجل الذي حفظ له ضمن مجال التكليف استقلالية علمه وإرادته وقدرته نفعا لخلقه والمصلحة المقتضاة ، لكن ذلك في إطار حدود لا تتجاوز طبيعة القدرة الإنسانية ؛ فلا تتصور الاستقلالية المنزهة التي تؤكد حضور الإنسان باعتباره مكلفا إلا في معنى ديمومة الهيمنة الإلهية على الإنسان والمخلوقات كافة « 3 » . وقد ردّ المعتزلة على التفرقة التي ذهب إليها أهل السنة بين الخلق والإيجاد لله تعالى وبين الكسب الذي للعبد أي أن الله تعالى يفعل لا بآلة والعبد يفعل بآلة . إن الأشاعرة لا ينكرون تعلق الأفعال بالعباد واحتياجها إليهم بيد أنهم ينكرون أن
--> - يفعل ، فلا خلاف عند المعتزلة في أن الله خالق والإنسان ( خالق ) لكنهم يميزون بين الخلق الذي هو اختراع وابتداء من لا شيء وبين القول بالخلق الذي هو تقدير الأفعال على الأغراض المطابقة لها الموصلة إلى الاستقلالية الإنسانية في القدرة التي رفضها لهم أهل السنة . فالإنسان عند المعتزلة مخلى بينه وبين الفعل يقدر على إحداثه لذا يكون مخلوقا منه أي هو مقدّره يحدثه بحسب قصوده ودواعيه . وهكذا فالخلق جائز عندهم في إطار الإيجاد ضمن القصد والدواعي لا على جهة تقدير المصلحة في معناها المطلق : انظر م ن ، ص 222 - 223 . ( 1 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص ، 298 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 224 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 69 . ( 3 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 242 - 225 .