السعيد شنوقة

185

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الثانية : الجماعة التي تنفي القدر من القدرية وارتضوا لأنفسهم كذلك التسمية بأهل العدل ، وهم سلف المعتزلة مثل معبد الجهني وعطاء بن سيار وغيلان الدمشقي « 1 » . وحين وقع هذان الفريقان المهمان في العناد والتعنت ارتميا في أحضان التطرف والغلو في جدلهما للجبر والاختيار ، فنزع تفكيرهم إلى مباحث مزجوا فيها الفلسفة بالكلام ونقلوا الكلام لاحقا إلى أطر السياسة وبلاط الحكم ، فنجم عن ذلك ضر واعتساف ما كان ليقع لو نزعوا منزع الاعتدال . وحتى لا نقع في متاهات الاختلاف والتفريع نعود إلى ما ذكرنا من أهم الفرق لنقول في حصر وإيجاز : إن الخلاف الجوهري بين أهل السنة السلف منهم والأشاعرة وبين المعتزلة يتمحور حول القدر - هذا واضح - غير أن المشكلة تكمن في أن أهل السنة فهموا من قول المعتزلة العباد خالقون لأفعالهم بأن الله يعصى كرها ، يظهر هذا في أحد ردود الأشعري على المعتزلة في كلامه على الإرادة أن العباد لو فعلوا « ما لا يريد الله وما يكرهه لكانوا أكرهوه ، وهذه صفة القهر - تعالى عن ذلك علوا كبيرا » « 2 » ويبدو أن ما أراده المعتزلة هو أن الله تعالى أقدر عباده على الفعل فوهبهم العقل ليميزوا به الحسن من القبيح وليفرقوا الصواب عن الخطأ ، وأقدرهم على أفعالهم وشملهم بعنايته ، بأن أرسل إليهم الرسل ليهديهم السبيل ثم خلّى بينهم وبين أفعالهم ، فمن أحسن فعلا من عباده فلنفسه ومن اقترف السوء والقبح فعليها ، وذلك كله في نطاق المسؤولية والحرية التي أنعم بها الله تعالى ، فقد أذن الله سبحانه أن نفعل ما نريد وهذا ليصح الثواب والعقاب ، لذا قال الله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ التغابن : 11 ] . قال الزمخشري لشرح : ( يهد قلبه ) يلطف به ويشرحه ليزداد طاعة وخيرا أو الاسترجاع عند المصيبة ، ثم أضاف منتصرا لخليفة المعتزلة : « وقرئ ( يهد قلبه ) على البناء للمفعول والقلب مرفوع أو منصوب ووجه النصب أن يكون مثل ( سفه نفسه ) أي يهد في قلبه » ، ثم أضاف : « ويجوز أن يكون المعنى : أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه والمؤمن واجد له مهتد إليه كقوله تعالى : لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ]

--> ( 1 ) انظر زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 99 . ( 2 ) الإنابة عن أصول الديانة ، تحقيق د . فوقية حسين محمود ، دار الأنصار القاهرة ، 1397 ه ، ط 1 ، ج 1 ، ص ، 167 وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 119 .